الاحتفاء بالنبي صلى الله عليه وسلم بين الاتباع الشكلي والاهتداء العملي
كتب / شعبان الأزهري
تشرق ذكرى المولد النبوي الشريف في كل عام لتثير في نفوس المسلمين مشاعر الشوق والإجلال لخير البشرية، صلى الله عليه وسلم، وتتعدد مظاهر الاحتفاء بهذه المناسبة المباركة؛ بين مجالس تُتلى فيها السيرة، وأصوات تتغنى بالمدائح، واجتماعات تُقام لإظهار الفرح، غير أن هذا المشهد الاحتفالي الكثيف يطرح سؤالاً جوهرياً يتصل بصلب الدين ومقاصده: هل يكمن الاحتفاء الحقيقي في إحياء المظاهر والطقوس الموسمية، أم في تحويل الهدي النبوي إلى حقيقة حية تسعي بين الناس؟
توصيف الظاهرة: الاتباع الشكلي واختزال المعنى
لقد ابتُليت الجماهير في كثير من أوقاتها بحالة من "الاحتفاء الشكلي" الذي يُفرغ المناسبات الدينية من مضامينها التربوية والتغيرية، والاتباع الشكلي يتجلى في الاكتفاء بالرموز الظاهرة والمظاهر الموسمية؛ كرفع الشعارات، وتزيين الشوارع، وإقامة الموائد، دون أن يمتد هذا الفرح إلى سلوك الفرد أو المعاملات اليومية.
إن خطورة اختزال محبة النبي صلى الله عليه وسلم في مظاهر احتفالية تنتهي بانتهاء موسمه، تكمن في تخدير الضمير الأخلاقي؛ فيظن المرء أنه أدى حق الرسول بعاطفة جياشة لساعات، بينما حياته العملية تخالف الهدي النبوي في أدق تفاصيلها.
الاهتداء العملي: المحبة باعتبارها منهاج حياة
إن المحبة الصادقة في المنظور الإسلامي ليست مجرد انفعال وجداني أو عاطفة مجردة، بل هي محرك إيماني يدفع صاحبه للتمثل والاتّباع، يقول الله تعالى: «قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ»؛ فالشرط الأساسي لإثبات المحبة هو السلوك والعمل.
الاهتداء العملي يعني أن تتسرب السيرة النبوية إلى مفردات حياتنا اليومية:
في المعاملات والتجارة: تحري الأمانة، والصدق، والوفاء بالعهود، واجتناب الغش، اقتداءً بالصادق الأمين.
في السلوك الاجتماعي: إفشاء السلام، والرفق بالضعفاء، وصلة الرحم، وكف الأذى، وتحسين الخلق مع القريب والبعيد.
في إدارة الأزمات والأسرة: التخلق بالحلم، والصبر، والتغاضي، والرحمة التي كان يتعامل بها النبي مع أهل بيته وأصحابه.
في الأمانة الإتقانية: إتقان العمل والرقي بالمسؤولية، انطلاقاً من التوجيه النبوي: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه».
التوازن المطلوب: كيف نجعل الاحتفاء بداية للتغيير؟
لا يعني النقد الموجه للشكليات التزهيد في إظهار الفرح بمولد النبي صلى الله عليه وسلم أو التقليل من مشاعر المحبة؛ فالعواطف والرموز جزء أصيل من البناء الإنساني، إنما المطلوب هو المزاوجة والتوازن بحيث يكون الاحتفاء الشكلي بمثابة "البوابة" والشرارة التي تقود إلى "الاهتداء العملي"،
يمكن تحقيق هذا التوازن من خلال:
تحويل مجالس الذكر إلى ورش عمل تربوية: ألا تقتصر المجالس على السرد التاريخي والمديح، بل تستنبط من كل موقف نبوي درساً عملياً يحل مشكلة معاصرة للمجتمع.
محاسبة النفس في موسم الذكرى: أن يقف كل مسلم مع نفسه ليقيس مدى قربه أو بعده عن الأخلاق النبوية في بيته، وعمله، وتعامله مع الناس.
ربط السُنّة بالمقاصد: فهم السُنّة النبوية بفهمها المقاصدي العميق الذي يبني العمران ويحمي الكرامة الإنسانية، بدلاً من وقوف السطحي عند الظواهر دون غوص في الغايات.
إن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم الحقيقي لا يكون إلا بإحياء رسالته في ذواتنا ومجتمعاتنا، ومتى ما تحول المولد النبوي من مجرد محطة موسمية للفرح العابر إلى محطة سنوية للمراجعة والاهتداء الذاتي والسلوكي، سنكون قد انتقلنا بحق من ضفاف "الاتباع الشكلي" إلى رحاب "الاهتداء العملي" الذي يغير وجه الحياة.

تعليقات
إرسال تعليق