كتب ـ مختار أبوالخير
السيسي يترأس وفد مصر للمرة الثالثة.. ومقترح هندي لربط العملات الرقمية للبنوك المركزية على طاولة القادة
تتجه أنظار العالم إلى العاصمة الهندية نيودلهي، التي تستضيف يومي السبت والأحد 12 و13 سبتمبر 2026، أعمال القمة الثامنة عشرة لمجموعة **بريكس**، في واحدة من أكثر القمم أهمية خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والاقتصادية، واحتدام النقاش حول مستقبل النظام المالي العالمي وهيمنة الدولار الأمريكي على حركة التجارة الدولية.
وتأتي قمة **بريكس 2026** في توقيت بالغ الحساسية، مع اتساع عضوية المجموعة لتضم 11 دولة كاملة العضوية، هي: مصر، والبرازيل، وروسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا، وإندونيسيا، وإيران، والسعودية، والإمارات، وإثيوبيا، بما يعكس تنامي نفوذ التكتل اقتصاديًا وسياسيًا على الساحة الدولية.
السيسي يترأس وفد مصر للمرة الثالثة
وتوجه الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى الهند لترؤس وفد مصر في قمة بريكس، للمرة الثالثة منذ انضمام القاهرة رسميًا إلى المجموعة في يناير 2024.
ومن المقرر أن يلقي الرئيس السيسي كلمة خلال الجلسة المغلقة للقمة، اليوم السبت، إلى جانب مشاركته في الجلسة الموسعة المقرر عقدها غدًا الأحد، والتي تبحث مستقبل التعاون بين دول المجموعة في مجالات الاقتصاد والتجارة والطاقة والاستثمار والتنمية المستدامة.
وتكتسب المشاركة المصرية أهمية خاصة، في ظل موقع مصر الاستراتيجي وقدرتها على الربط بين الأسواق الأفريقية والعربية والآسيوية، فضلًا عن دورها المحوري في ملفات الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية.
حضور بارز لقادة بريكس
وتشهد القمة مشاركة عدد من أبرز قادة دول المجموعة، وفي مقدمتهم الرئيس الصيني شي جين بينج، الذي يجري أول زيارة له إلى الهند منذ سبع سنوات، بعد مغادرته العاصمة بكين صباح اليوم.
كما يشارك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ورئيس جنوب أفريقيا، ورئيس إندونيسيا، إلى جانب ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن زايد، ممثلًا لدولة الإمارات العربية المتحدة.
ويعكس هذا الحضور رفيع المستوى أهمية القمة، التي لا تقتصر مناقشاتها على الملفات الاقتصادية، بل تمتد إلى قضايا الأمن والطاقة والتحولات الجيوسياسية، في ظل إعادة رسم موازين القوى العالمية.
الحرب الإيرانية وأسعار النفط في صدارة الملفات الساخنة
ومن أبرز الملفات المطروحة على طاولة القادة، تداعيات الحرب الإيرانية، وتأثيرها المباشر على أسواق الطاقة العالمية، بعدما تجاوزت أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل، بالتزامن مع إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط في العالم.
وتزيد هذه التطورات من حساسية النقاش داخل مجموعة بريكس، خصوصًا مع وجود تباينات بين بعض أعضائها بشأن الموقف من إيران، في ظل قطع الإمارات معاملاتها مع طهران خلال أغسطس، بالتزامن مع انضمام إيران حديثًا إلى التكتل.
ويفرض هذا الواقع تحديًا كبيرًا أمام قادة المجموعة، الذين يسعون إلى الحفاظ على تماسك بريكس، رغم اختلاف المصالح السياسية والاقتصادية بين أعضائها، لا سيما في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي والتجارة الدولية.
العملات الرقمية للبنوك المركزية.. خطوة نحو تقليص الاعتماد على الدولار
ومن المنتظر أن تطرح الهند خلال القمة مقترحًا لربط العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية في دول بريكس، بما يسمح بتسهيل المعاملات التجارية والاستثمارية بين الدول الأعضاء، وتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي في التسويات المالية.
ويمثل هذا المقترح، حال إقراره وتنفيذه، تحولًا مهمًا في مستقبل التجارة بين دول المجموعة، إذ يمكن أن يساهم في خفض تكلفة التحويلات المالية، وتسريع حركة المدفوعات، وتجاوز بعض القيود المفروضة على الأنظمة المالية التقليدية.
ويرى محللون أن ربط العملات الرقمية للبنوك المركزية قد يكون أحد أهم المسارات التي تسعى بريكس من خلالها إلى بناء نظام مالي أكثر تنوعًا، لا يعتمد على عملة واحدة، وإنما يقوم على شبكة من العملات الوطنية والأدوات الرقمية الحديثة.
ومع ذلك، فإن تنفيذ هذه الخطوة سيواجه تحديات كبيرة، من بينها اختلاف التشريعات النقدية، وتباين البنية التكنولوجية بين الدول الأعضاء، فضلًا عن الحاجة إلى وضع نظام موحد لحماية البيانات ومكافحة غسل الأموال وضمان أمن المعاملات.
شعار قمة بريكس 2026
وتنعقد القمة تحت شعار:
> **"البناء من أجل المرونة والابتكار والتعاون والاستدامة"**
ويعكس الشعار أولويات المجموعة خلال المرحلة المقبلة، وفي مقدمتها تعزيز القدرة على مواجهة الأزمات، وتشجيع الابتكار، وتوسيع التعاون الاقتصادي، ودعم مشروعات التنمية المستدامة.
كما يعبر عن رغبة دول بريكس في الانتقال من مرحلة التنسيق السياسي إلى بناء آليات عملية للتعاون، تشمل التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والتمويل والتنمية.
هل تصبح بريكس قوة مالية عالمية بديلة؟
تحتفل مجموعة بريكس خلال قمتها الجديدة بمرور 20 عامًا على تأسيسها، في وقت تحولت فيه من تجمع اقتصادي محدود إلى أحد أبرز التكتلات المؤثرة في الاقتصاد العالمي.
وتشير زيادة عدد الأعضاء إلى توسع طموحات المجموعة، التي تسعى إلى تعزيز حضورها في المؤسسات الدولية، وزيادة حجم التجارة البينية، وتطوير بدائل للنظام المالي التقليدي، إلى جانب دعم استخدام العملات المحلية في المبادلات التجارية.
لكن نجاح بريكس في إحداث تغيير حقيقي في شكل النظام المالي العالمي سيظل مرتبطًا بقدرتها على تجاوز الخلافات الداخلية، وتحقيق توافق بين أعضائها، وتحويل المبادرات السياسية إلى مشروعات قابلة للتنفيذ.
فالمجموعة تضم دولًا كبرى ذات ثقل اقتصادي، لكنها في الوقت نفسه تختلف في توجهاتها السياسية، ومصالحها الاستراتيجية، وأولوياتها الاقتصادية، وهو ما يجعل التحدي الأكبر أمام قادة القمة هو تحقيق التوازن بين الطموح المشترك والتباينات الوطنية.
قمة مفصلية لمستقبل الاقتصاد العالمي
وبين ملفات الحرب والطاقة، ومقترحات العملات الرقمية، ومستقبل التجارة بعيدًا عن الدولار، تبدو قمة بريكس 2026 أمام اختبار تاريخي قد يحدد شكل التكتل خلال السنوات المقبلة.
ومن المتوقع أن تسفر القمة عن قرارات مهمة بشأن التعاون المالي، وتوسيع التجارة بين الدول الأعضاء، وتطوير آليات جديدة للمدفوعات الدولية، إلى جانب مواقف مشتركة تجاه أزمات الطاقة والصراعات الإقليمية.
وبينما يترقب العالم نتائج اجتماعات نيودلهي، تواصل بريكس سعيها لتقديم نفسها كقوة اقتصادية صاعدة، قادرة على التأثير في النظام الدولي، والمشاركة في صياغة مستقبل الاقتصاد العالمي.

تعليقات
إرسال تعليق