سكان الموقع يواجهون العزلة ومقلب القمامة وغياب الخدمات الأساسية.. ويطالبون بحلول عاجلة تحفظ كرامتهم
بقلم ـ مختار أبوالخير
تقرير خاص – الوطن اليوم
لمشاهدة فيديو موقع الاسكان الاجتماعي بعرب العليقات ١١٣ عمارة بمقلب القمامة اضغط هنا
في مشهد يختلط فيه الحلم بالمعاناة، تحولت وحدات الإسكان الاجتماعي في **عرب العليقات** إلى عنوان لأزمة إنسانية متكاملة، بعدما وجد السكان أنفسهم أمام مساكن تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة اليومية، وسط غياب عدد من الخدمات والمرافق التي لا يمكن الاستغناء عنها في أي مجتمع عمراني حديث.
السكان الذين انتقلوا إلى الموقع بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا، فوجئوا – بحسب شكاواهم – بأن الحصول على شقة لم يكن نهاية المعاناة، بل بداية رحلة جديدة من العزلة والانتظار والبحث عن الخدمات الأساسية. فلا مترو كما قيل لهم، ولا مدارس قريبة تستوعب أبناءهم، ولا مستشفيات أو وحدات صحية تقدم الرعاية اللازمة، ولا موقف مواصلات منظم، فضلًا عن معاناة مرتبطة بغياب التليفونات والغاز، ومجاورة الموقع لمقلب قمامة يزيد المشهد قسوة وخطرًا.
وعود تنتهي عند أبواب الوحدات
يقول الأهالي إنهم لم يعترضوا يومًا على الانتقال إلى المدن الجديدة أو مشروعات الإسكان الاجتماعي، بل رحبوا بها باعتبارها خطوة نحو حياة كريمة وسكن آمن. غير أن المشكلة – كما يؤكدون – تكمن في أن المسكن لا يمكن أن يكون مجرد جدران وأبواب، فالسكن الحقيقي منظومة متكاملة تشمل المواصلات والتعليم والصحة والاتصالات والطاقة والبيئة النظيفة.
فما قيمة الوحدة السكنية إذا كان الوصول إليها يحتاج إلى معاناة يومية؟ وكيف يستطيع الموظف الوصول إلى عمله في ظل غياب موقف مواصلات مناسب؟ وكيف يمكن للطلاب الذهاب إلى مدارسهم إذا لم تتوافر مدارس قريبة؟ وماذا يفعل المرضى وكبار السن في ظل عدم وجود مستشفى أو وحدة صحية مجهزة؟
هذه الأسئلة لا يطرحها السكان بحثًا عن رفاهية، وإنما لأنها تمس جوهر الحق في الحياة الآمنة والكريمة.
لا مترو.. ولا بديل يخفف عن المواطنين
كان الحديث عن توفير وسيلة نقل فعالة، وعلى رأسها المترو، أحد أسباب طمأنة المواطنين وتشجيعهم على الانتقال إلى الموقع. إلا أن الأهالي يقولون إن هذا الوعد لم يتحول إلى واقع حتى الآن، بينما لا توجد بدائل كافية ومنظمة تخفف عنهم عبء الانتقال اليومي.
ومع ارتفاع تكاليف المواصلات وطول المسافات، أصبحت رحلة الذهاب والعودة تستنزف جزءًا كبيرًا من دخل الأسرة ووقت أفرادها. أما الأطفال والنساء وكبار السن، فإن معاناتهم تبدو أكثر صعوبة، خاصة في أوقات الذروة أو خلال ساعات الليل.
غياب المدارس والمستشفيات يهدد استقرار الأسر
لا تتوقف الأزمة عند المواصلات، فغياب المدارس القريبة يضع الأسر أمام خيارات صعبة. إما تحمل نفقات نقل الأبناء إلى مناطق بعيدة، أو تعريضهم لرحلات يومية مرهقة، وهو ما يثقل كاهل الأسر محدودة الدخل التي يفترض أن مشروعات الإسكان الاجتماعي جاءت في الأساس لحمايتها ومساندتها.
أما الجانب الصحي، فيمثل مصدر قلق دائم للسكان. فالمرض لا ينتظر، والحالات الطارئة لا تحتمل مسافات طويلة أو بحثًا شاقًا عن مستشفى. وجود وحدة صحية مجهزة أو مركز طبي قريب ليس ترفًا عمرانيًا، بل ضرورة لا غنى عنها، خصوصًا في المناطق التي تضم أعدادًا كبيرة من المواطنين.
مقلب القمامة.. خطر على الصحة والبيئة
الأكثر إيلامًا في شكوى الأهالي هو مجاورة الموقع لمقلب قمامة، بما يترتب على ذلك من روائح كريهة، وانتشار الحشرات والقوارض، ومخاوف متزايدة من تأثير التلوث على صحة الأطفال وكبار السن ومرضى الحساسية والصدر.
فكيف يُطلب من مواطن أن يبدأ حياة جديدة في مسكن اجتماعي، ثم يجد نفسه محاصرًا بمصدر محتمل للخطر البيئي؟ وأين الاشتراطات الخاصة بالتخطيط العمراني والصحة العامة؟ ومن المسؤول عن حماية السكان من آثار التراكمات والمخلفات والانبعاثات والروائح؟
إن استمرار هذا الوضع، إن صحت شكاوى السكان، لا يتفق مع أهداف الدولة في بناء مجتمعات عمرانية جديدة تتوافر فيها مقومات الحياة، ولا مع مفهوم التنمية المستدامة الذي يجعل الإنسان محورًا أساسيًا لكل مشروع.
لا غاز ولا تليفونات.. فكيف تستقيم الحياة؟
يؤكد الأهالي أن غياب خدمات الغاز الطبيعي والاتصالات يزيد من صعوبة المعيشة، ويجعل الأسر تعتمد على بدائل أكثر تكلفة وأقل أمانًا. كما أن ضعف أو غياب خدمات الهاتف والاتصال يحرم المواطنين من وسيلة أساسية للتواصل وإنجاز مصالحهم، خاصة في حالات الطوارئ.
ومن غير المقبول أن ينتقل المواطن إلى مسكن جديد دون جدول واضح ومعلن لاستكمال المرافق، ودون جهة مسؤولة يتوجه إليها لتقديم شكواه والحصول على إجابة محددة وملزمة.
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا أُنشئ الموقع؟
إذا كانت الوحدة السكنية لا تحيط بها مدرسة أو مستشفى أو وسيلة مواصلات، ولا تتوافر فيها خدمات الغاز والاتصالات، وتقع بجوار مصدر للتلوث، فإن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو:
لماذا أُنشئ الموقع بهذه الصورة؟
هل كان التخطيط يركز على بناء العمارات فقط دون التخطيط المتزامن للخدمات؟ وهل جرى تسليم الوحدات قبل اكتمال عناصر الحياة الضرورية؟ ومن يتحمل مسؤولية معاناة مواطنين دفعوا ما عليهم من التزامات، وانتقلوا إلى مساكن يفترض أنها مشروع قومي يحفظ لهم الأمان والاستقرار؟
إن بناء وحدات سكنية دون خدمات متكاملة قد يحول المشروع من وسيلة للحياة الكريمة إلى مجرد تجمع عمراني معزول، وهو ما يتطلب مراجعة عاجلة للسياسات التنفيذية وآليات تسليم المشروعات.
استغاثة إلى الرئيس: نريد حياة لا جدرانًا
من هنا، يرفع سكان عرب العليقات استغاثتهم إلى **الرئيس عبدالفتاح السيسي**، مطالبين بتدخل عاجل لتشكيل لجنة ميدانية تقف على حقيقة الأوضاع، وتستمع إلى الأهالي، وتضع جدولًا زمنيًا معلنًا لتنفيذ الحلول.
ويطالب السكان بـ:
- توفير موقف مواصلات منظم وخطوط نقل منتظمة إلى أقرب المدن والمناطق الحيوية.
- مراجعة ما سبق الإعلان عنه بشأن وسائل النقل، وعلى رأسها المترو، وبيان الموقف التنفيذي بوضوح.
- إنشاء مدارس قريبة أو توفير وسائل نقل مدرسية آمنة ومنتظمة.
- دعم الموقع بوحدة صحية أو مركز طبي يعمل على مدار الساعة، مع توفير خدمات الطوارئ.
- التعامل العاجل مع مقلب القمامة وإزالته أو نقله بعيدًا عن الكتلة السكنية.
- استكمال خدمات الغاز الطبيعي والاتصالات والإنترنت.
- تحديد جهة رسمية تتولى متابعة شكاوى السكان والرد عليها بجدول زمني واضح.
- إشراك الأهالي في متابعة تنفيذ الخدمات، باعتبارهم أصحاب المصلحة الأول في المشروع.
كرامة المواطن ليست مطلبًا مؤجلًا
المواطن لا يطلب المستحيل، ولا يبحث عن امتيازات خاصة. كل ما يريده هو أن يعيش في مكان آمن ونظيف، يستطيع فيه أبناؤه الذهاب إلى المدرسة، ويجد فيه المريض طبيبًا، والموظف وسيلة مواصلات، والأسرة مصدر طاقة آمنًا، وسيلة اتصال عند الحاجة.
**السكن حق، لكن الحياة الكريمة حق أيضًا.** ولا يمكن اختزال العدالة الاجتماعية في تسليم مفتاح شقة، ثم ترك المواطن يواجه وحده تبعات غياب الخدمات.
إن عرب العليقات ليست مجرد عمارات، بل أسر وأطفال وموظفون ومرضى وكبار سن، لهم الحق في أن يشعروا بأنهم جزء من وطن يهتم بهم، لا أن يعيشوا في موقع معزول يفتقر إلى مقومات الحياة.
ويبقى السؤال الأهم أمام الجهات المعنية:
> **فخامة الرئيس.. أين الحياة الإنسانية التي وُعد بها سكان الإسكان الاجتماعي في عرب العليقات؟**
فالمواطن الذي تحمل أعباء الانتقال، والتزم بالسداد، ووثق في وعود الدولة، يستحق أن يجد حول مسكنه وطنًا مكتمل الخدمات، لا مجرد مبانٍ تحيط بها المعاناة.


.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق