كتب/ شعبان الأزهري
في قلب ليلةٍ من ليالي رمضان، نزل الوحي ليُغير وجه التاريخ، لكن المعجزة لم تكن في الحبر والورق، بل في تلك القوة الخفية التي بدلت أرواحاً كانت تعيش في "موات" الجاهلية لتجعل منها مناراتٍ تضيء الوجود. إن وصف القرآن للوحي بـ "الروح" في قوله تعالى: وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا (الشورى: 52)، ليس مجرد استعارة بلاغية، بل هو توصيف دقيق لوظيفة هذا الكتاب: إعادة بعث الحياة في النفوس التي أرهقها العدم.
1. القرآن كـ "نَفَس" إلهي للقلوب المنهكة
جسد الإنسان يحيا بالخُبز والماء، لكن روحه -التي هي من أمر الله- لا تحيا إلا بما يُشاكل جوهرها. رمضان هو الموسم الذي يعيد فيه الإنسان ربط "مادة" جسده (عبر الصيام) بـ "روح" الوحي (عبر القيام والترتيل).
* بعث الأمل: القرآن يبعث الروح في العزائم المنكسرة؛ فمن قرأ قصة يونس في بطن الحوت، بُعثت في روحه نجاةٌ من ضيق يأسِه الشخصي.
* ترميم الانكسار: آيات الرحمة والمغفرة تعمل كبلسم يُعيد التئام القلوب التي شققتها الذنوب أو أوجعتها خيبات الحياة.
2. من "القراءة" إلى "الاستماع بالقلب"
الفرق بين من يمر على القرآن ومن يبعثه القرآن هو فرق بين "بصر" و"بصيرة". البعث الروحي يبدأ حين يتوقف القارئ عن كونه "مُشاهداً" للنص ليصبح "مخاطباً" به.
"إذا قرأت القرآن فكأنما تُخاطب ربك، وإذا استمعت إليه فكأنما يُخاطبك."
هذا الحوار هو الذي يُحيي المناطق الميتة في الوعي؛ فتستيقظ الفطرة التي غطاها رانُ الغفلة، ويتحول الحرف من سكون المِداد إلى حركة الإيمان.
3. إحياء العقل: القرآن كقوة تحرير
الروح لا تُبعث في جسدٍ مكبل بالأوهام. القرآن يحيي الأرواح عبر تحرير العقول؛ فهو يطرح التساؤلات، ويدعو للتفكر في الأنفس والآفاق.
* البعث من التقليد: يحرر القرآن الروح من أسر التبعية لغير الخالق، ومن عبودية الهوى، ويدفعها نحو أفق "العزة" التي لا تُستمد إلا من الانتماء للحق المطلق.
* توسيع الأفق: حين يقرأ الصائم عن ملكوت السماوات والأرض، تخرج روحه من ضيق "الأنا" الصغيرة إلى سعة "الكون" العظيم، فيشعر بضآلة مشاكله أمام عظمة خالقه.
4. رمضان: زمن "النفخة" الثانية
إذا كانت النفخة الأولى هي التي منحتنا الحياة البيولوجية، فإن رمضان يمثل فرصة لـ "نفخة ثانية" من الروح القرآنية لانتشالنا من الموت المعنوي.
* الخلوة والوحي: في السحر، وحين تصفو النفس من كدر الطعام واللغو، يصبح القلب أرضاً خصبة لاستقبال بذور الوحي.
* الترتيل كإيقاع للبعث: كلمات القرآن لها ذبذبات خاصة تُعيد ترتيب الفوضى الداخلية، وتطرد "شياطين" القلق والاضطراب، لتحل محلها "سكينة" الإيمان.
5. كيف نستشعر "البعث" في تلاوتنا؟
لكي لا يكون القرآن مجرد طقس رمضاني، بل عملية بعث حقيقية، علينا أن:
* نقرأ ببطء (الترتيل): فالحياة تُبنى لبنة لبنة، والروح تُبعث آية آية.
* نبحث عن الرسائل: اسأل نفسك عند كل آية: "ماذا يريد الله أن يُحيي فيَّ الآن؟" هل هو الصبر؟ العطاء؟ التواضع؟
* العمل كدليل حياة: الروح التي تُبعث لا بد أن تتحرك؛ فالثمرة الحقيقية لبعث الروح هي "الخُلق" الذي يراه الناس في تعاملك.
القرآن ليس كتاباً للبركة فحسب، بل هو "نظام حياة" متكامل. في رمضان هذا ، لا تكتفِ بختم الحروف، بل ابحث عن تلك "الروح" التي ستسري في عروق إيمانك لتجعلك كائناً جديداً، حياً بالحق، مستنيراً بالوحي.
لقد كانت رحلة إيمانية عميقة في رحاب "القرآن وبعث الأرواح".

تعليقات
إرسال تعليق