كتب / شعبان الأزهري
يرتبط شهر رمضان بالقرآن ارتباطاً عضويًّا، لكن "الترتيل" لا يتوقف عند حدود تجويد الحروف ومخارجها، بل يمتد ليكون عملية "ترتيل للروح" وإعادة ترتيب لمكونات الوعي الإنساني. وفي قلب هذا الكتاب المعجز، تبرز قصص الأنبياء لا كحكايات تاريخية مضت، بل كـ "نماذج عليا" ومرايا عاكسة لصراعاتنا النفسية والاجتماعية المعاصرة.
1. قصص الأنبياء: من "الحكاية" إلى "المنهج"
حين نقرأ قصص الأنبياء في رمضان، فنحن لا نطالع سيرًا ذاتية لشخصيات خارقة، بل نقرأ "قوانين الوجود". إن وعينا المعاصر غالباً ما يتشتت بين الماديات والقلق من المستقبل، وتأتي قصص الأنبياء لتعيد ضبط "بوصلة المعنى":
* يوسف عليه السلام: يعيد بناء وعينا بمفهوم "الابتلاء"؛ فالسجن والجبّ لم يكونا نهاية الطريق، بل كانا "مختبراً" لصناعة القائد. هنا نتعلم أن المحنة هي رحم المنحة.
* إبراهيم عليه السلام: يعيد صياغة وعينا بـ "اليقين" وسط الشك، وكيف يكون الفرد أمة بصدق توجهه، حتى لو كان العالم كله في الضفة المقابلة.
2. تحطيم الأصنام الذهنية
في كل عصر أصنام، وأصنام عصرنا ليست من حجر، بل هي "أصنام الأفكار" و"تأليه المادة".
ترتيل قصص الأنبياء يساعدنا على تفكيك هذه الأصنام؛ فقصة موسى عليه السلام مع فرعون ليست مجرد صراع سياسي، بل هي انتصار "الحقيقة المجردة" على "الزيف المتغطرس". إنها تبني في وعي المسلم أن الباطل، مهما علا ضجيجه، يحمل بذور فنائه في داخله.
3. الصبر الجميل: هندسة النفس تحت الضغط
يعاني إنسان اليوم من "الهشاشة النفسية"، حيث ينهار أمام أبسط العقبات. وهنا يأتي أيوب عليه السلام ليرتل على أرواحنا معنى الصبر؛ ليس الصبر السلبي المستسلم، بل "الصبر الجميل" الذي يحافظ فيه الإنسان على أدبه مع الخالق رغم شدة الألم. إعادة بناء الوعي هنا تعني إدراك أن المعاناة جزء من كمال الرحلة الإنسانية، وليست خطأً في النظام الكوني.
4. نوح عليه السلام: وعي "الاستمرارية"
في عالم يتسارع فيه كل شيء ويطلب النتائج الفورية، تأتي قصة نوح عليه السلام لتعلمنا وعي "النفس الطويل". ألف سنة إلا خمسين عاماً من الدعوة، دون كلل أو ملل، هي الدرس الأبلغ في أن واجبنا هو "السعي" أما "النتيجة" فهي بيد رب العالمين. هذا الوعي يحررنا من إحباطات عدم الوصول السريع للأهداف.
5. كيف نرتل أرواحنا عملياً في رمضان؟
لتحويل قراءة القصص القرآنية إلى إعادة بناء للوعي، نحتاج لاتباع منهجية "الإسقاط الذاتي":
* التساؤل: أين أنا من هذا النبي في هذا الموقف؟ (هل أنا في جبّ يوسف؟ أم في حوت يونس؟).
* التشخيص: ما هو "الفرعون" الذي يطغى في حياتي (هوى، مال، سلطة) ويحتاج لمواجهة بـ "عصا" الإرادة؟
* الاستبصار: رؤية الحكمة الإلهية الكامنة خلف تفاصيل القصة وتطبيقها على أحداث حياتنا الشخصية.
إن قصص الأنبياء هي "خارطة طريق" للروح التائهة. حين نرتلها بوعي، فنحن لا نستعيد الماضي، بل نحن نستعيد أنفسنا. رمضان هو الوقت الأمثل لنخرج من ضيق قصصنا الشخصية المليئة بالقلق، إلى سعة قصص الأنبياء المليئة بالثبات واليقين والرضا بقضاء الله وقدره.

تعليقات
إرسال تعليق