كتب/ شعبان الأزهري
في الظاهر، يبدو الصيام عملية حرمانٍ مادية، تبدأ بامتناعٍ عن الطعام والشراب وتنتهي بلقمة الإفطار. لكن القشرة المادية للصوم تخفي وراءها جوهراً فلسفياً عميقاً؛ فالصيام ليس "تجويعاً" للجسد، بل هو "تحرير" للروح من قيود المادة. إن ما يحدث "ما وراء الجوع" هو رحلة استكشافية كبرى، يعيد فيها الإنسان اكتشاف حدوده، وقدراته، وحقيقة وجوده.
1. الصيام كفعل "تحرر" لا "تقييد"
نحن نعيش في عصر الاستهلاك، حيث تملي علينا رغباتنا ما نفعل، وحيث نلهث خلف احتياجات الجسد دون توقف. يأتي الجوع في رمضان ليكسر هذه السلسلة؛ فعندما تقول "لا" لدافع غريزي كالجوع، أنت تعلن صراحةً أنك "سيد قرارك".
ما وراء الجوع هنا هو اكتشاف الإرادة؛ تلك القوة الكامنة التي تخبرك بأنك لست مجرد كائن بيولوجي تتحكم فيه الغرائز، بل أنت كائن روحي يمتلك زمام أمره.
2. اكتشاف "الفقر الذاتي" لله
حين يشتد العطش وتخور القوى في الساعات الأخيرة قبل المغرب، يسقط قناع "الاستغناء" الذي نرتديه في حياتنا اليومية. يشعر الإنسان بضعفه الحقيقي، ويدرك أن كل القوة التي يدعيها تتوقف على شربة ماء أو لقمة خبز.
* ثمرة الجوع: هو التواضع. إن إدراك "الفقر إلى الله" يغسل الكبر من النفوس، ويجعل الإنسان ينظر إلى نعم الله العادية (الماء، الهواء، الصحة) بعين الدهشة والامتنان، لا بعين الاعتياد.
3. الجوع كعدسة مكبرة للروح
في حالة الشبع، تضطرب الحواس وتغيب البصيرة خلف سحب "التخمة". أما في حالة الجوع، فتهدأ ضوضاء الجسد، وتصفو النفس لتسمع صوتها الداخلي.
* الشفافية الروحية: ما وراء الجوع هو تلك "الرقة" التي تصيب القلب؛ فترى الصائم أكثر حساسية للجمال، أكثر شعوراً بالآخرين، وأسرع دمعةً عند سماع الآيات. الجوع يرقق الحجب بين القلب والوحي، مما يجعل الصيام تجربة "معراج" يومي نحو آفاق أسمى.
4. إعادة تعريف "الكفاية"
يعلمنا الجوع في رمضان أننا نحتاج إلى القليل جداً لنعيش، والكثير جداً لنرتقي. بعد ساعات من الصيام، يكتشف المرء أن "لقمة وسرعة ماء" كفيلة بإعادة التوازن إليه.
هذا الدرس يمتد لما بعد رمضان؛ ليعلمنا الزهد الإيجابي، وهو القدرة على الاستغناء عن الفضول من المتاع، والتركيز على ما يغذي الجوهر لا المظهر.
5. الصوم كتمرين على "الحضور"
غالباً ما نهرب من مواجهة أنفسنا بالانشغال الدائم بالأكل والشرب والملذات. الجوع يضعك وجهاً لوجه أمام "أناك". في هذه المواجهة، تكتشف عيوبك، مخاوفك، وتطلعاتك. الصيام هو "خلوة إجبارية" وسط ضجيج العالم، تمنحك الفرصة لترميم ما انكسر في علاقتك بخالقك وبنفسك.
إن الجوع في رمضان ليس غاية في حد ذاته، بل هو "وسيلة" لتطهير المرآة الداخلية. ما وراء الجوع هو الإنسان الحقيقي الذي لا يقتات على الخبز وحده، بل يقتات على التقوى، والذكر، والصلة بالسماء.

تعليقات
إرسال تعليق