كتب/ شعبان الأزهري
في ضجيج العالم المعاصر، حيث تُقاس القيمة بمدى الظهور وعدد الكلمات المنطوقة، يأتي شهر رمضان ليعيد تعريف "الحضور". ليس الحضور بصخب الصوت، بل بعمق الصمت. إن أرقى مراتب الصيام ليست تلك التي تتوقف عند حدود المعدة، بل هي التي تمتد لتلجم الجوارح، فترتقي من "صيام العوام" إلى "صيام الخصوص".
فلسفة الكف: لماذا نصمت؟
إن "صمت الجوارح" ليس مجرد غيابٍ للكلام، بل هو فعلُ إرادةٍ واعية. عندما نصمت، نحن لا نغلق أفواهنا فحسب، بل نفتح نوافذ قلوبنا. الكلمة المنطوقة تستهلك طاقة الروح وتوجهها نحو الخارج، بينما الكف عن الكلام يرتد بهذه الطاقة إلى الداخل، مما يسمح للإنسان بمواجهة ذاته دون رتوش.
يقول الإمام الغزالي إن صوم الخصوص هو "كف الجوارح عن الآثام"، ولكن العمق الحقيقي يكمن في كفّها عن "الفضول" أيضاً. فكل كلمة تخرج دون حاجة هي ضجيج يحجب صوت الوحي في القلب.
صمت الأذن: عبادة الانتقاء
غالباً ما نتحدث عن "آفات اللسان"، لكننا نغفل عن "آفات السمع". إن الأذن هي البوابة التي تغذي العقل، والصيام الحقيقي يقتضي تصفية ما يمر عبر هذه البوابة.
* السمع الواعي: هو القدرة على فرز الغث من السمين، والإعراض عن اللغو الذي يورث قسوة القلب.
* بلاغة الإنصات: عندما نصمت عن سماع لغو البشر، نبدأ في سماع "تسبيح الكون". إن كفّ السمع عن الضوضاء يمنحنا القدرة على تذوق حلاوة الآيات عند تلاوتها، وكأنها تُخاطبنا لأول مرة.
عندما يكون الكف أبلغ من النطق
ثمة مواقف في رمضان (وفي الحياة) تفوق فيها القوة في "عدم الفعل" القوة في "الفعل".
* في الخصومة: حين تملك الحجة والقدرة على الرد، فتختار "إني صائم". هنا يصبح الصمت إعلاناً عن سيادة الروح على الأنا.
* في الفضول المعرفي: حين تكف عن تتبع أخبار الناس وتفاصيل حياتهم، لتركز في "خَبَر السماء".
* في النقد: حين تصمت عن عيوب الآخرين لتنشغل بترميم عيوبك.
أثر صمت الجوارح على الروح
هذا الانقطاع الاختياري عن التواصل الخارجي يُحدث حالة من "الترتيب الداخلي". الصمت يوفر المساحة اللازمة لنمو التقوى؛ فمن الصعب جداً أن تتدبر آية أو تخشع في سجدة بينما ذهنك ممتلئ بآخر النقاشات والجدالات اليومية.
إن "صمت الجوارح" هو في الحقيقة تخلية للقلب من الشواغل، لتمهيد الطريق لعملية التحلية بالأنوار الربانية. إنه التدريب السنوي المكثف لنكون "أسياداً" على حواسنا، لا عبيداً للمنبهات والمثيرات من حولنا.
رمضان فرصة لنتعلم أننا لا نُعرف بما نقول فقط، بل نُعرف بعمق ما نصمت عنه. فلنجعل من صمت جوارحنا صلاةً صامتة، ومن كفّنا عن اللغو معراجاً للروح.

تعليقات
إرسال تعليق