كتب / شعبان الأزهري
بعد رحيل الإمام عبد الباقي القليني، آلت مشيخة الأزهر الشريف إلى واحد من أبرز علماء القرن الثاني عشر الهجري، وهو الإمام محمد بن شرف الدين شنن، ليصبح الشيخ الخامس في سجل هذا المنصب الرفيع. تولى المشيخة في عام 1121 هـ (1709 م)، ليكون امتداداً لسلسلة العلماء الذين جمعوا بين سعة العلم وقوة الإدارة.
النشأة والتكوين: من الجيزة إلى صحن الأزهر
ولد الشيخ محمد شنن في قرية "الجيلات" بمركز إمبابة (محافظة الجيزة حالياً) عام 1056 هـ. نشأ في بيئة ريفية بسيطة، لكن ميله للعلم دفعه للالتحاق بالأزهر الشريف. هناك، تخصص في الفقه المالكي، وتتلمذ على يد قامات كبرى ممن وضعوا أساسيات المشيخة، مثل الشيخ الخراشي (الشيخ الأول) والشيخ النشرتي (الشيخ الثالث).
بفضل ذكائه المتقد وقدرته على الحفظ والاستنباط، أصبح الشيخ شنن من كبار فقهاء المالكية في عصره، وعُرف بلقب "عمدة المالكية"، نظراً لتمكنه الشديد من نصوص المذهب المالكي وتعقيداته.
ملامح مشيخته: الإصلاح والهيبة
تولى الشيخ محمد شنن المشيخة في وقت كانت تمر فيه البلاد بظروف اقتصادية وسياسية متقلبة، ومع ذلك، تميزت فترة رئاسته للأزهر (التي استمرت نحو 11 عاماً) بعدة سمات:
* حماية حقوق العلماء والطلاب: عُرف عن الشيخ شنن حزمه في الدفاع عن مخصصات الأزهر وأوقافه، وكان يحرص على توزيع الرواتب (الجرايات) على الطلاب والمجاورين بانتظام، مما أضفى جواً من الاستقرار النفسي والمادي داخل أروقة الجامع.
* ترميم المنشآت: شهد عهده اهتماماً خاصاً بعمارة الأزهر الشريف وترميم ما تداعى منه، إيماناً منه بأن وقار العلم يستلزم هيبة المكان ونظافته.
* هيبة المشيخة أمام السلطة: استمر الشيخ شنن في نهج أسلافه في الحفاظ على استقلال الأزهر؛ فكان لا يتردد في مخاطبة الحكام العثمانيين والأمراء المماليك بلهجة الواعظ والناصح، دون أن يطمع في دنياهم.
مؤلفاته وتلاميذه
رغم أن الشيخ شنن كان يميل إلى التدريس العملي والتربية الروحية، إلا أنه ترك خلفه أثراً علمياً يتجلى في:
* الفتاوى الفقهية: التي كانت تُعد مرجعاً لأتباع المذهب المالكي في مصر والمغرب العربي.
* تخريج جيل من العلماء: تتلمذ على يديه عدد كبير من الفقهاء الذين حملوا لواء العلم بعده، ومن أبرزهم الشيخ إبراهيم بن موسى الفيومي (الذي سيصبح الشيخ السادس للأزهر لاحقاً).
رحيل الإمام
انتقل الشيخ محمد شنن إلى رحمة الله في عام 1133 هـ (1720 م)، ودُفن في قرافة المجاورين بجانب أسلافه من العلماء. وقد رثاه معاصروه بكلمات تعكس فقدان الأزهر لفقيه عظيم وإداري حكيم.
يظل الشيخ محمد شنن علامة بارزة في تاريخ الأزهر، ليس فقط لكونه فقيهاً مالكياً فذاً، بل لأنه أثبت أن مشيخة الأزهر قادرة على إدارة شؤون المجتمع ومواجهة الأزمات بالصبر والحكمة والعلم.

تعليقات
إرسال تعليق