القائمة الرئيسية

الصفحات

إسلام الجوهر لا إسلام المظهر: معركة الوعي ضد التدين الشكلي



كتب / شعبان الأزهري 


في عالمٍ بات يهتم بـ "الغلاف" أكثر من "المحتوى"، تبرز إشكالية عميقة في فهم الدين وممارسته؛ حيث يختزل البعض الإسلام في حزمة من المظاهر والطقوس، متناسين أن الجوهر هو الأصل، وأن المظهر ما هو إلا ثمرة طبيعية لما استقر في الباطن. إن معركة الوعي اليوم تكمن في العودة إلى "إسلام الجوهر"، ذلك الذي يصنع الإنسان قبل أن يصنع القالب.

البوصلة النبوية: أين ينظر الله؟

وضع النبي ﷺ النقاط على الحروف في قاعدة ذهبية تحطم صنم الشكليات، حين قال: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".

 * هذه الكلمات ليست دعوة لإهمال المظهر، بل هي ترتيب للأولويات؛ فالله سبحانه لا يقبل عملاً صورياً خالياً من روح الإخلاص، ولا عبادةً تُؤدى كحركات آلية والقلب غائب في أودية الدنيا.

الفخ الشكلي: لماذا نتمسك بالمظهر؟

قد يهرع الكثيرون إلى "إسلام المظهر" لأنه الأسهل؛ فمن السهل أن تطلق لحية، أو ترتدي زياً معيناً، أو تسبح بسبحة طويلة أمام الناس، لكن الصعوبة الحقيقية تكمن في:

 * مجاهدة النفس: السيطرة على الغضب، وتطهير القلب من الحسد والكبر.

 * أخلاق المعاملات: الصدق في البيع والشراء، والوفاء بالعهود، والعدل حتى مع من نكره.

 * إتقان العمل: اعتبار العمل عبادة تتطلب الإحسان والجودة، لا مجرد تأدية واجب.

خطورة الفصل بين الشعيرة والسلوك

حين ينفصل المظهر عن الجوهر، نقع في فصام أخلاقي مشين؛ فنرى المصلي الذي يغش في تجارته، أو المحجبة التي تغتاب الناس، أو المتحدث بالدين الذي يفتقر لأدنى قيم الرحمة. هذا التناقض هو ما يُنفّر الناس من الدين، ويجعل الرسالة الإسلامية تبدو كأنها شعارات جوفاء لا تلامس الواقع.

ملامح إسلام الجوهر

إن المسلم الذي يدرك جوهر دينه هو الذي يرى أن:

 * الصلاة: ليست مجرد ركوع وسجود، بل هي "تنهى عن الفحشاء والمنكر".

 * الحج: ليس رحلة سياحية، بل هو "فلا رفث ولا فسوق ولا جدال".

 * الصدقة: ليست استعراضاً للكرم، بل هي "تطهير وتزكية للنفس".

كيف نستعيد الجوهر؟

 * التركيز على "لماذا" قبل "كيف": قبل البدء بأي عبادة، اسأل نفسك: لماذا أفعل هذا؟ اجعل الإخلاص محركك الأول.

 * تحويل القيم إلى سلوك: ابحث عن خلق إسلامي واحد (كالصدق أو التواضع) واجعله مشروعك العملي لمدة شهر.

 * تربية الضمير: اجعل مراقبة الله لك في خلوتك أقوى من مراقبة الناس لك في علانيتك.


إن الإسلام لم يأتِ ليكون قشرة خارجية نزين بها أجسادنا، بل جاء ليكون "روحاً" تسري في عروقنا، و"وعياً" يحكم تصرفاتنا. المظهر الحسن مطلوب، لكنه يظل جسداً بلا روح ما لم يسنده جوهر نقي، وخلق قويم، وقلب سليم. إن العالم اليوم لا يحتاج إلى من "يتحدث" عن الإسلام، بل يحتاج إلى من "يمشي" بالإسلام بين الناس.


تعليقات