أزمة التربية والتلقين: التنشئة على حفظ النصوص والقواعد دون ربطها بالتطبيق الميداني والمواقف
كتب/ شعبان الأزهري
في شوارعنا ومؤسساتنا اليوم، نلتقي بظاهرة تُثير الدهشة وتستدعي التأمل: مجتمعات تحفظ النصوص عن ظهر قلب، وتردد القواعد الأخلاقية والدينية بكل فصاحة، لكنها في مواقف الحياة اليومية تتصرف بخلاف ما تحفظ تماماً ، تجد من يحفظ آيات الصدق يخون الأمانة في تجارته، ومن يدرّس أحاديث الإتقان يمارس الإهمال في وظيفته، ومن يستظهر قيم الرحمة يمارس القسوة في تعاملاته الأسرية والاجتماعية.
إننا لا نواجه هنا مجرد سوء خلق فردي، بل نعيش أزمة بنوية عميقة يُمكن تسميتها بـ "أزمة التربية والتلقين"؛ وهي حالة الفصام الشديد بين خزائن المعرفة النظريّة والممارسة الميدانية الحية.
1- جذر المشكلة: كيف تحوّل التعليم إلى آلة لاستظهار النصوص؟
بدأت الأزمة عندما تحولت فلسفة التربية والتعليم في كثير من مجتمعاتنا من "بناء الإنسان والتزكية" إلى "تخزين المعلومات واجتياز الاختبارات".
اختزال المعرفة في الذاكرة: يُقاس نجاح الطفل أو الطالب بقدرته على استرجاع الكلمات المعلمة في أوراق الامتحان، لا بمقدار ما تمثله تلك الكلمات في سلوكه وشخصيته.
غياب الفهم السياقي:
يُعلّم الطفل القواعد بوصفها قوالب صماء يجب حفظها، دون إدخاله في وضعيات واختبارات حقيقية تجعله يفهم "لماذا" وجِدت هذه القاعدة و"كيف" تُطبق في تعقيدات الحياة اليومية، فصل الدين عن الحياة: تم تحويل القواعد الشرعية والأخلاقية إلى مادة دراسية مجردة، تشبه تماماً القوانين الرياضية التي تُحفظ لنيل الدرجة، ثم تُنسى بمجرد الخروج من القاعة.
2- مظاهر الفصام الأخلاقي في السلوك اليومي
هذا النمط من التنشئة يخرج لنا أجيالاً تعاني من "التناقض المعرفي والسلوكي"، وتتعدد صور هذا التناقض في واقعنا المعاصر مما نلمسه عند معاملة الناس بعضهم لبعض .
3 - التبعات النفسية والمجتمعية لنظام "الحفظ بلا ممارسة"
لا تتوقف خطورة هذه الأزمة عند حدود السلوك الخاطئ، بل تمتد لتحدث شرخاً عميقاً في بنية المجتمع والنفس البشرية:
تآكل النزاهة الأخلاقية (النفاق الاجتماعي):
يعتاد الفرد على أن يقول ما لا يفعل، ويصبح التناقض طريقة حياة لا تستفز الضمير ولا تسبب الإحراج الشديد. الصدمة لدى الأجيال الناشئة: عندما يرى الشباب الصغار أن معلميهم وآباءهم يحفظون أعظم القيم ويمارسون عكسها، يفقدون الثقة في المنظومة الأخلاقية برمتها، ويتحولون نحو السخرية أو الإلحاد التظاهري أو التحلل من القيم.
تجهيل العقل وتسطيحه: التلقين يقتل التفكير النقدي؛ الفرد الذي اعتاد على تلقي النصوص دون مناقشة كيفية تنزيلها على الواقع، يسهل استغلاله واستقطابه من قبل الخطابات المتطرفة أو السطحية.
4 - نحو الحل: كيف ننتقل من "التنظير" إلى "التطبيق الميداني"؟
الخروج من هذه الأزمة يحتاج إلى تغيير راديكالي في مفهوم العملية التربوية، في البيت والمدرسة والمؤسسة الدينية والإعلامية:
التربية بالمواقف : بدلاً من أن نلقن الطفل "الصدق فضيلة"، تضعه في موقف يتطلب شجاعة الصدق، ونناقش معه مشاعره، والتبعات، وكيفية اتخاذ القرار الصائب.
تقديم القدوة على الموعظة: الطفل والمراهق يتعلمان بما يريانه لا بما يسمعانه ،أن يرى الطفل أباه يعتذر عند الخطأ أبلغ من مئة درس عن التواضع.
تغيير أساليب التقييم:
يجب أن تُقاس جودة التربية والتعليم بمشاركات الطلاب المجتمعية، ومستوى التزامهم الأخلاقي والعملي، وليس بمجموع درجاتهم في حفظ النصوص.
ربط النصوص بمقاصدها:
عند تعليم أي نص ديني أو قاعدة أخلاقية، يجب التركيز على المقصد والحكمة منه: كيف يحمي هذا النص المجتمع؟ كيف يجعل حياتنا أكثر كرامة وعدلاً؟
إن النصوص والقواعد ليست إلا بوصلة وخرائط طريق، والخرائط لا تنقل المسافر إلى وجهته ما لم يخطُ خطواته الفعلية على الأرض.
لقد حان الوقت لنترجل من برج "التلقين الاستظهاري" لننزل إلى ميدان "التزكية العملية"، فنحن لا نحتاج إلى المزيد من الحفاظ بقدر ما نحتاج إلى المزيد من "الأخلاق الممشاة على قدمين".

تعليقات
إرسال تعليق