القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ محمد النشرتي: الإمام الثالث ورائد الاستقرار المؤسسي للأزهر

 



كتب/ شعبان الأزهري 


بعد رحيل الإمام البرماوي، انتقلت مشيخة الأزهر إلى علم من أعلام الفقه المالكي، وهو الإمام محمد بن زين الدين النشرتي، الذي أصبح الشيخ الثالث في تاريخ الجامع الأزهر. تولى المنصب في عام 1106 هـ (1694 م)، واستمر فيه حتى وفاته، ليكون رمزاً للثبات العلمي والإداري في واحدة من أدق فترات التاريخ العثماني في مصر.


النشأة والتكوين: من "نشرت" إلى القمة العلمية


ولد الشيخ النشرتي في قرية "نشرت" التابعة لمركز كفر الشيخ حالياً. وكعادة علماء عصره، حفظ القرآن الكريم والتحق بالأزهر الشريف، حيث تخصص في الفقه المالكي. نبغ النشرتي نبوغاً باهراً، وصار متبحراً في أصول المذهب وفروعه، حتى أجمع علماء الأزهر على تقديمه للمشيخة بعد وفاة الشيخ البرماوي، نظراً لورعه وقدرته على إدارة شؤون العلماء والطلاب.


ملامح مشيخته: هيبة العلم ووقار المنصب


تميزت فترة الشيخ النشرتي (التي استمرت نحو 14 عاماً) بعدة سمات جعلت منه شخصية

 محورية في تاريخ المشيخة:

 * الاستقلال والنزاهة: حافظ الشيخ النشرتي على استقلالية الأزهر بعيداً عن صراعات المماليك والأمراء التي كانت تضطرب بها القاهرة آنذاك. كان يرى أن هيبة العالم تُستمد من استغنائه عن أصحاب السلطة.

 * التدريس والبحث: لم يشغله المنصب الإداري عن مهمته الأساسية كمعلم. كان يلقي دروسه في "الرواق العباسي" و"رواق المغاربة"، وكان يحضر دروسه مئات الطلاب من مختلف بقاع العالم الإسلامي، حيث عُرف بأسلوبه الجزل وقدرته على تبسيط أعقد المسائل الفقهية.

 * رعاية الطلاب الوافدين: في عهده، شهدت أروقة الأزهر تنظيماً أكبر، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الجرايات (الرواتب والمؤن) على الطلاب الفقراء والوافدين، مما عزز مكانة الأزهر كقبلة للمجاورين من كل حدب وصوب.


إرثه العلمي ومؤلفاته


رغم انشغاله بإدارة شؤون الجامع وحل مشكلات العلماء، ترك الشيخ النشرتي بصمة علمية واضحة، منها:

 * رسائل فقهية في المذهب المالكي: تناولت حلولاً لقضايا مستجدة في عصره.

 * حواشي وتعليقات: على أمهات الكتب الفقهية التي كانت تُدرس في تلك الفترة، والتي تميزت بدقة الاستنباط.


وفاته وجنازته التاريخية


توفي الإمام النشرتي في يوم الأحد، الثامن والعشرين من ذي الحجة عام 1120 هـ (1709 م). وقد سجل المؤرخون أن جنازته كانت مشهداً مهيباً لم تشهده القاهرة منذ زمن؛ حيث خرج فيها الأمراء والعلماء والعامة، وصُلي عليه في الجامع الأزهر في حشد ضخم، ودُفن في قرافة المجاورين.


الشيخ محمد النشرتي لم يكن مجرد رقم في قائمة المشايخ، بل كان الحلقة التي أكملت بناء المؤسسة في بداياتها. فإذا كان الخراشي قد أسس، والبرماوي قد ثبت، فإن النشرتي قد منح المنصب استقراراً وهيبة جعلت من "شيخ الأزهر" المرجع الأول لا في مصر فحسب، بل في سائر الأقطار الإسلامية.

تعليقات