القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ إبراهيم بن موسى الفيومي: الإمام السادس ورائد التصنيف الفقهي

 



كتب/ شعبان الأزهري 


بوفاة الشيخ محمد شنن، انتقلت مشيخة الأزهر الشريف إلى واحد من أبرز علماء القرن الثاني عشر الهجري، وهو الإمام إبراهيم بن موسى الفيومي، ليصبح الشيخ السادس في تاريخ هذا المنصب الرفيع. تولى المشيخة في عام 1133 هـ (1720 م)، ليكون حلقة وصل ذهبية بين الرعيل الأول من المشايخ وبين جيل جديد من الفقهاء المصلحين.


النشأة والرحلة العلمية


ولد الشيخ إبراهيم بن موسى بن أحمد الفيومي عام 1062 هـ في مدينة الفيوم، ومنها استمد نسبته. كعادة نوابغ عصره، نشأ في بيئة محبة للعلم، فحفظ القرآن الكريم في صباه، ثم توجه إلى القاهرة ليلتحق بالأزهر الشريف، الذي كان في ذلك الوقت يموج بحلقات كبار العلماء.

تخصص الفيومي في الفقه المالكي، وتتلمذ على يد قامات لا تُبارى، من أبرزهم:

 * الشيخ محمد الخراشي: أول شيوخ الأزهر، والذي تأثر الفيومي بمنهجه الفقهي والتربوي.

 * الشيخ محمد شنن: الشيخ الخامس للأزهر، حيث كان الفيومي من أخص تلاميذه وخلفه في المشيخة لاحقاً.


ملامح مشيخته: العلم والمهابة


استمرت فترة مشيخة الشيخ الفيومي نحو خمس سنوات، وبالرغم من قصرها النسبي، إلا أنها تركت أثراً عميقاً في تاريخ المؤسسة:

 * المرجعية الفقهية: عُرف بتمكنه المنقطع النظير في المذهب المالكي، حتى صار يُلقب بـ "شيخ المالكية" في عصره. كانت حلقاته العلمية تجمع مئات الطلاب الذين يأتون لسماع شرحه لأمهات الكتب.

 * التصنيف والتأليف: تميز الفيومي عن بعض أسلافه بكثرة إنتاجه العلمي المكتوب، وكان يميل إلى التحقيق والتدقيق في المسائل الفقهية، مما جعل كتبه مراجع موثوقة للعلماء من بعده.

 * الحزم والعدل: في إدارته للأزهر، كان الشيخ حريصاً على تطبيق العدالة في توزيع الجرايات (المخصصات) على الطلاب، وكان يتمتع بهيبة كبيرة أمام الأمراء، مما ضمن للأزهر استقلاله الروحي والمادي.


آثاره العلمية الخالدة


ترك الشيخ الفيومي مؤلفات هامة، من أبرزها:

 * شرح "نظم المقدمة" (في الفقه): وهو شرح وافٍ يُظهر تمكنه من الأدوات الفقهية.

 * حواشي على شرح الخراشي: أضاف فيها تعليقات وتحقيقات غاية في الأهمية على كتب أستاذه الأول.

 * رسائل في علوم اللغة والحديث: مما يدل على شمولية تكوينه العلمي.


وفاته وإرثه


انتقل الإمام إبراهيم الفيومي إلى رحمة الله في عام 1137 هـ (1724 م). لم يرحل الشيخ إلا وقد ترك جيلاً من العلماء الذين حملوا المشعل من بعده، ومن أبرزهم الشيخ عبد الله الشبراوي (الذي صار الشيخ السابع للأزهر).

يُذكر للشيخ الفيومي أنه حافظ على صدارة المذهب المالكي في مشيخة الأزهر لسنوات طويلة، وأكد بزهده وعلمه أن مكانة "شيخ الأزهر" لا تُنال بالمناصب، بل بالرسوخ في العلم والتقوى.

تعليقات