كتب / شعبان الأزهري
حين يفتح شاب في مقتبل العمر منصة "تيك توك" أو "إنستغرام"، فإنه لا يفعل ذلك بحثاً عن العلم الشرعي بالمعنى التقليدي، بل يفعل ذلك بحثاً عن الترفيه السريع وكسر الملل، لكن الخوارزميات الذكية تلتقط اهتماماته بسرعة، فتبدأ في ضخ مقاطع قصيرة لدعاة جدد، ومقاطع مؤثرة لآيات قرآنية تلامس الوجدان، وفتاوى سريعة ومباشرة لا تتجاوز الدقيقة الواحدة.
في الظاهر، يبدو هذا المشهد ثورة مباركة لتقريب الدين من قلوب الأجيال الجديدة؛ فالمعرفة باتت على بُعد نقرة زر، والخطاب الديني صار أكثر مرونة وقرباً من الشارع.
لكن، إذا نظرنا إلى أعماق هذه الظاهرة التي باتت تُعرف بـ «التدين الرقمي»، سنجد أنفسنا أمام سؤال مقلق ومصيري: هل تساهم هذه المنصات حقاً في تعميق إيمان الشباب، أم أنها تشوه فهمهم للدين وتحوله إلى مجرد "محتوى استهلاكي" سريع الزوال؟
1- شاشة من عسل.. ومتاهة من التبسيط المخل
السمة الأساسية لمنصات التواصل الاجتماعي هي السرعة والاختزال ، الفيديو المثالي يجب أن يجذب الانتباه خلال أول ثلاث ثوانٍ، وأن يقدم خلاصة كاملة في أقل من دقيقة.
هذا القالب، رغم نجاحه الباهر في جذب المشاهدات، يمثل كارثة حقيقية حين يُسقط على العلوم الشرعية.
الدين الإسلامي ليس مجموعة من "الوماضات" أو الحكم الذاتية المعزولة؛ إنه منظومة متكاملة من القيم، والأحكام، والمقاصد، والعلوم التي تحتاج إلى تدرج وتأصيل.
وحين يتحول الخطاب الديني إلى مقاطع قصيرة، يحدث الآتي:
بتر النصوص عن سياقها: يُقتطع جزء من آية أو حديث لتبرير فكرة معينة، دون النظر إلى سبب النزول، أو أقوال المفسرين، أو التقييدات الشرعية الأخرى.
إلغاء المنهجية:
يغيب التدريج العلمي؛ فيخرج الشاب من مقطع يتحدث عن أبسط آداب الوضوء، ليواجه مقطعاً آخر يناقش قضايا عقدية كبرى أو خلافات فقهية معقدة، دون أن يمتلك الأدوات الأساسية للتمييز.
هذا التبسيط المخل يفرغ الدين من عمقه التاريخي والمنهجي، ويجعله عرضة لسوء الفهم وسهولة التأويل حسب الهوى.
2- مقياس "الترند".. حين تصبح الشهرة معياراً للحق
في العالم التقليدي، كان معيار تصدر المشهد العلمي هو الأهلية، والتحصيل الطويل للعلم ، والتحقق من طهارة القصد والمنهج، أما في العالم الرقمي، فالمعيار المختلف كلياً هو "الخوارزميات" و"التفاعل" ،
الداعية أو المؤثر الرقمي اليوم يحتاج إلى إرضاء المنصة لضمان انتشار محتواه؛ فهو بحاجة إلى إثارة الجدل، أو استخدام العناوين الصادمة، أو تقديم فتاوى غريبة تخالف المستقر من أقوال العلماء لجذب الأنظار وزيادة المتابعين.
يترتب على ذلك بروز ظاهرة "شيوخ الترند"، وهم أشخاص قد لا يمتلكون رصيداً حقيقياً من العلم الشرعي الرصين، لكنهم بارعون في لغة الجسد، والمونتاج السينمائي، واستعراض العواطف.
في المقابل، يتراجع العلماء الحقيقيون الراسخون في العلم؛ لأن لغتهم الرصينة وهدوءهم العلمي لا يتوافقان مع صخب منصات التواصل وسرعتها المجنونة.
هنا يقع الشاب في فخ خطير: الخلط بين فصاحة اللسان وحسن المظهر وبين سعة العلم والتقوى، ليصبح "عدد المتابعين" دليلاً وهمياً على صحة الفتوى وسلامة المنهج.
3- الفتوى الفورية.. وإلغاء المؤسسات المرجعية
في الماضي، كان إذا استفتى المرءُ عالماً يجلس أمامه، يراعي حاله، ويستأنس ببيئته، وربما ردّه إلى جهة رسمية أو مؤسسة إفتاء معتمدة تضمن له الجماعة والاستقرار الفكري.
اليوم، أصبح بإمكان أي شاب أن يطرح سؤاله في تعليق على "إنستغرام" أو "إكس"، ليجيبه حساب وهمي، أو شخص مجهول الهوية، أو حتى خوارزمية ذكاء اصطناعي دون أي تحرز.
هذا يغذي النزعة الفردية المطلقة في الفهم؛ حيث يعتقد الشاب أنه قادر على استنباط الحكم الشرعي بمفرده دون مرجعية تحميه من التطرف أو الانحراف.
يؤدي ذلك أيضاً إلى حالة من "التشوش المعرفي"؛ إذ يرى الشاب تناقضاً حاداً بين عشرات الفتاوى السريعة حول المسألة الواحدة، مما يولد لديه شعوراً بالشك والارتياب تجاه ثبات الأحكام الشرعية وقدرتها على مخاطبة واقعه.
4- تدين الوجدان العابر.. أين العمل والاستمرارية؟
من أخطر تجليات التدين الرقمي أنه يمارس دور "المُخدِّر الروحي السريع"، فبمجرد أن يشاهد الشاب مقطعاً مؤثراً عن التوبة، أو الصلاة على النبي، أو فضل الاستغفار، يشعر بغمرة من المشاعر الجياشة والدموع الصادقة، وينقر على زر "إعجاب" أو "مشاركة".
هذه النقرة البسيطة تخدع الدماغ، وتوهمه بأنه قد أدى ما عليه من واجب طاعة أو تفاعل مع الدين.
يغيب الفارق الدقيق بين "الشعور الديني المؤقت" وبين "التدين العملي المستدام" الذي يتطلب صبراً، وجهاداً للنفس، ومجاهدة في أداء العبادات بشقائها وجمالها الحقيقي في الواقع المعيش.
يتحول التدين الرقمي إلى أداة لجمع "الحسنات الرقمية الافتراضية"، بينما تنعزل الممارسة الأخلاقية الحقيقية في التعاملات اليومية، والأمانة في العمل، وبر الوالدين في الواقع.
طوق النجاة: كيف نعيد التوازن لعلاقتنا بالدين في العصر الرقمي؟
الاعتراف بخطورة هذه الظاهرة لا يعني بحال من الأحوال الدعوة إلى مقاطعة التكنولوجيا والهروب إلى الماضي، فالمنصات واقع لا يمكن تجاوزه، وهي تحمل طاقات هائلة للخير والدعوة إن أحسن استخدامها، لكن حماية عقل الشاب وفهمه للدين تتطلب وعياً نقدياً يتمثل في الآتي:
إعادة الاعتبار للمؤسسات والمرجعيات الرصينة:
لا بد للشباب من اتخاذ بوصلة علمية واضحة، بالرجوع إلى العلماء الموثوقين والجهات الرسمية المعروفة بالاعتدال والعلم العميق.
فطنة التلقي (التربية الإعلامية الدينية):
ألا يُقبَل كل ما يُنشر على أنه حقيقة مُسَلَّمة لمجرد أنه مغلف بآيات أو أناشيد؛ فالمحتوى الديني يحتاج دائماً إلى تفكير وسؤال: "من قال هذا؟ وما هو دليله؟"
العمق لا السرعة: تخصيص وقت حقيقي لقراءة الكتب المنهجية الأصيلة، وحضور مجالس العلم الواقعية التي تبني الشخصية وتضبط الفهم، بعيداً عن صخب الشاشات .
إن منصات التواصل الاجتماعي أشبه بمرآة مكبرة؛ تعكس ما في داخلنا، لكنها قد تشوه ملامح الحقيقة إن وقفنا أمامها بزوايا خاطئة، إن التدين الحقيقي ليس مقطعاً يحصد ملايين المشاهدات، ولا شعوراً جياشاً يزول بزوال الفيديو، بل هو يقين راسخ، وعلم نافع، وسلوك مستقيم في خلواتنا وجلواتنا، وحين ندرك هذا الفارق، سنعرف كيف نستخدم التقنية
لخدمة ديننا، لا أن نسمح لها بأن تختزل ديننا في شاشة زجاجية عابرة.

تعليقات
إرسال تعليق