لقد شدَّد الإسلام في الحفاظ على النفس البشرية وحُرمتها، وجاءت التشريعات في ذلك عامة تشمل كلَّ إنسان، وما كان ذلك إلا لأن الله كرَّم الإنسان وفضَّله على سائر المخلوقات.
وبقليل من التأمل في نصوص القرآن والسنة، تجد أن النهي عن سفك الدماء بغير حق، ووضعُ العقوبات لذلك في الدنيا والآخرة، اتخذ مناحيَ عديدة، ويكون بيان ذلك كالتالي:
حرمة دم الإنسان عامة. حرمة دماء أهل الذمة. حرمة دم المسلم.
حرمة قتل النفس بيد صاحبها.
ونلقي الضوء على هذه العناصر بما يدعمها من خلال القرآن والسنة.
-حرمة دم الإنسان عامة:
جاءت نصوصٌ كثيرة في الكتاب والسنة تحرِّم سفك الدماء بوجه عام، وفي هذا ردٌّ على الذين يقولون: إن الإسلام حرَّم دماء المؤمنين والمسلمين، وأباح قتل من سواهم؛ قال تعالى: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ [المائدة: 32].
قال الحسن وقتادة في هذه الآية: هذا تعظيم لتعاطي القتل، قال قتادة: عظُم واللهِ وزرُها، وعظُم واللهِ أجرُها[1].
والنفس التي يتحدث عنها القرآن هي نفس الإنسان التي بين جنبيه، فقد جاء عن عمرو بن الحمق: سمعتُ رسول الله يقول: (مَن آمَن رجلًا على دمه فقتَله، فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول من غير المسلمين..
وعلَّق الإسلام على ذلك عقابًا أخرويًّا، فإذا أفلت الإنسان في الدنيا، فلن يفلت من عقاب الله في الآخرة، فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يجيء المقتول بالقاتل يوم القيامة، ناصيتُه ورأسه في يده، وأوداجه تشخب دمًا، يقول: يا رب، قتَلني، حتى يدنيه من العرش)
حرمة دماء أهل الذمة:
لقد رفَع الإسلام من شأن الإنسان وحفِظ له كرامته وحقَّه في الحياة، وضمِن له الحياة الحرة الكريمة، ورَد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إلا مَن قتَل نفسًا معاهدة له ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر بذمة الله، فلا يُرَح رائحة الجنة، وإن ريحَها ليوجد على مسيرة سبعين خريفًا) [4].
وعن أبي بكرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قتل معاهدًا في غير كُنهه، حرَّم الله عليه الجنة)
حرمة دم المسلم:
قتلُ النفس المؤمنة من أعظم الحُرمات التي ترتكَب على وجه الأرض، فللمسلم حرمةٌ عظيمة، فلا يحل لأحدٍ قتله أو سفك دمه، أو انتهاك حرمته؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ [النساء:
لذلك كان الرسول الكريم يشدِّد على حرمة دم المسلم؛ فعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قَالَتْ: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ فَإِنَّهُ يُرْجَمُ وَرَجُلٌ خَرَجَ مُحَارِبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنْ الْأَرْضِ أَوْ يَقْتُلُ نَفْسًا فَيُقْتَلُ بِهَا"
وبلَغ من حُرمة نفس المؤمن عند الله تعالى أنه أشدُّ حرمة من الكعبة المشرفة على مالها من مكانة وحرمة في الإسلام، رُوِي عن ابن عباس - وعَبْدُاللَّهِ بْنُ عُمَرَ - رضي الله عنهم، قَالَ: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ: مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ مَالِهِ وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا)
ومن هنا تظهر مكانة المؤمن عند الله عز وجل، وما عظَّمه الله لا ينبغي أن يحقره إنسان؛ بل ينبغي الوقوف عند حدود الله وأوامره.
حرمة قتل النفس بيد صاحبها:
لقد بلغ حفاظُ الإسلام على النفس مبلغًا عظيمًا؛ حتى إنه من شدة حفاظه عليها لم يجعل الحق لصاحبها في إتلافها؛ بل توعَّد فاعلَ ذلك العذابَ الأليم، ومن الأحاديث التي وردت في هذا الشأن ما جاء عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ)
وعن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا)
من هذا يتبيَّن أن الإنسان لا يملِك رُوحه التي بين جنبيه، فهي ملكٌ لخالقهِ، وهي من شأنِه وحدَه جلَّ في علاه، فلقد حفظ الإسلام كيانَ الإنسان من عبث الآخرين، ومن عبث نفسه أيضًا...
هذا والله اسأل حقن دماء الناس جميعا..

تعليقات
إرسال تعليق