القائمة الرئيسية

الصفحات

فقه التعامل مع كثرة الفتاوى المتعارضة: كيف يختار العامي بين الفتاوى المتناقضة في زمن الفضائيات وشبكات التواصل؟


كتب / شعبان الأزهري 

لم يعد الإنسان المعاصر يعاني شُحَّ المعلومة الشرعية، بل بات يغرق في طوفان جارف من الفتاوى المتزاحمة والمتباينة التي تتسابق إلى شاشات الفضائيات، وتغرق صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، وتتدفق عبر تطبيقات الهاتف الذكي، فبين مفتٍ يشدد إلى حد الحرج، وآخر يترخص إلى حد الإفراط، وجد المسلم العادي نفسه واقفاً في مفترق طرق حائر، تقتضيه الأسئلة وتتجاذبه الآراء؛ فإذا أراد أن يسأل عن نازلة معينة، وجد إجابتين متناقضتين تماماً لنفس السؤال في غضون دقائق معدودة.

هذه الظاهرة، التي فرضها الانفتاح الإعلامي الرقمي، ليست مجرد كثرة عددية، بل هي أزمة منهجية حقيقية تؤدي أحياناً إلى اضطراب اليقين الديني وفقدان الثقة في المرجعية الشرعية،ومن هنا تتأكد الحاجة الملحة إلى تأصيل «فقه الاختيار»؛ لنبين للعامي كيف يسلك سبيله بيقين، وكيف ينجو بدينه وعقله من حيرة التناقض.


أولاً: جذور الأزمة.. لماذا تكثر الفتاوى المتعارضة اليوم؟


لكي ندرك كيف نتعامل مع الفتوى المتناقضة، ينبغي أن نفهم الأسباب التي أدت إلى هذا التناقض الظاهري والموضوعي في عصرنا:


سقوط الحواجز المؤسسية وغياب التخصص:

 في الماضي كانت الفتوى تصدر عن مجامع علمية رصينة أو علماء راسخين تمرسوا في الفقه وأصوله وفقه الواقع، أما اليوم فقد فتحت منصات التفاعل الرقمي الباب لكل من هب ودب ليتصدر للإفتاء، متسلحاً بحفظ مسألة أو جرأة في القول، مما أدى إلى غياب المعيارية وضياع التخصص.


الاجتزاء الإعلامي وصناعة «التريند»:

 تخضع الفضائيات ووسائل التواصل لمعايير الإثارة وجذب الانتباه ،وغالباً ما تُنتزع الفتوى من سياقها الشرعي أو شرطها الواقعي لتظهر في مقطع قصيريثير الجدل ويحقق مشاهدات عالية، دون اعتبار لتغير الأحوال والأعراف.


الخلط بين الفتوى والاجتهاد الفردي: 

الفتوى في أصلها إخبار عن حكم الله تعالى في نازلة محددة تراعي الزمان والمكان والحال، وحين يتحول الخطاب الديني إلى آراء شخصية مطلقة تُلقى على ملايين البشر المختلفين في بيئاتهم وثقافاتهم، يقع التناقض الحتمي.


ثانياً: الضوابط المنهجية.. كيف يختار العامي بين المتناقضات؟


إذا تواجه أمام المسلم قولان أو فتويان متعارضتان في مسألة واحدة، فليست العبرة بالهوى أو بالاستحسان الشخصي، بل هناك قواعد عقلية وشرعية متينة وضعها الأصوليون ليهتدي بها المستفتي:


1-البحث عن الأثبت والأعلم والأورع


قاعدة أهل العلم القديمة: «انظروا عمن تأخذون دينكم»، وفي زمن الفوضى الإعلامية، يكون المعيار الحقيقي هو الورع، والراسخون في العلم، والذين عُرفوا بالوسطية والاعتدال والتجرد عن الأهواء والشهوات الإعلامية، إن العالم الحقيقي هو الذي يخشى الفتوى ويتورع عنها، لا الذي يتسابق إلينا بالترخيص أو التشديد لمجرد إرضاء الجمهور.


2. اعتماد المرجعية المؤسسية الموثوقة


عند تعارض الأفراد والآراء المتناثرة، يكون الملاذ الآمن للعامي هو المؤسسات الدينية الرسمية والمجامع الفقهية المعتبرة (كدار الإفتاء، ومجامع البحوث الإسلامية)، فهذه الجهات لا تصدر فتاواها بجهد فردي عابر، بل تمر عبر لجان بحثية ودراسات جماعية تنظر في مآلات الأمور وترفع الخلاف في النوازل العامة.


3. تقديم الأحوط عند استواء الأدلة


إذا استوى الطرفان في نظير العلم والعدالة، ولم يتبين للعامي الراجح بدليل واضح، فالأصل في سلوك المؤمن الاحتياط لدينه، لاسيما في ابتعاد عن الشبهات، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، فالاحتياط بر الأمان حين تضطرب الأمواج.


4. التيسير المنضبط لا التتبع للرخص


من أخطر ما يقع فيه المستفتي المعاصر هو منهج «التلفيق وتتبع الرخص»؛ أي التنقل بين المفتين بحثاً عن الفتوى التي توافق هواه النفسي أو مصلحته الدنيوية بغض النظر عن قوة الدليل، هذا المسلك يُخرج المكلف عن عبودية الشرع إلى عبودية الهوى، وهو مذموم عند عامة أهل العلم.


ثالثاً: من فقه السؤال إلى فقه التلقي في العصر الرقمي


لا يكفي أن نحسن اختيار الفتوى، بل يجب أن نغير طريقة تعاملنا مع وسائل الاتصال الحديثة في الشأن الديني:


إيقاف قاعدة "السؤال السريع": الفتوى ليست رسالة نصية قصيرة (SMS) تُرسل في عجالة ويُؤخذ بها فوراً،النوازل الكبرى والمعاملات المالية المعقدة والأسرة تحتاج إلى مشافهة وبحث دقيق لظروف السائل، لا إلى فتوى معلبة على منصة إلكترونية.


إدراك فوارق الأزمنة والأمكنة: قد يفتي عالم بحكم في بيئة معينة لظرف خاص، فينتقل المقطع عبر السوشيال ميديا ليُطبق على مجتمع آخر يناقضه تماماً، على العامي أن يدرك أن تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والحال هو أصل شرعي معتبر، وليس تناقضاً في الدين.


 طمأنينة القلب وبوصلة التقوى


إن كثرة الفتاوى المتعارضة اليوم هي ابتلاء في زمن كثرت فيه الفتن، لكنها في الوقت ذاته فرصة لتدريب المسلم على الاستقلال الروحي والرجوع إلى بوصلة التقوى الداخلية، فإذا استفتيت قلبك ووجدت طمأنينة نحو عالم ثقة ناصح لله ورسوله، فاطمئن إلى ما أفتاك به، واعلم أن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها، وأن الدين أيسر وأع

ظم من أن يضيع بين سراب الخلافات الإعلامية وصخبها.

تعليقات