كتب ـ مختار أبوالخير
«الوطن اليوم» | تحليل خاص**
لم يعد خفياً على أي مراقب، سواء كان خبيراً استراتيجياً أو مواطناً يتابع تفاصيل ما يجري، حجم الدمار الشامل الذي التهم إقليمنا العربي والشرق أوسطي منذ عام 2011، عقب بدء تنفيذ ما عُرف بـ "مشروع الشرق الأوسط الكبير". فبينما كانت الخرائط تُعاد رسمها بالنار والدم، برزت مصر كحالة استثنائية؛ دولة نجت بتماسكها، وحفظت سيادتها، ومرت من "عين العاصفة" دون أن تفقد بوصلة دولتها.
ولكن، كيف تحقق ذلك؟ وما هي التكلفة الحقيقية لـ "النجاة"؟ في هذا التحليل الحصري، تفكك **«الوطن اليوم»** شفرة البقاء المصري، وتجيب على الأسئلة الحرجة التي يطرحها الشارع حول الإنفاق العسكري والمشروعات القومية.
الإقليم في مهب الريح.. ودروس "الفخاخ" المختلفة
لا تحتاج إلى محلل سياسي لتدرك حجم المأساة الإقليمية؛ فالكل مرّ بـ "فخ" مختلف، لكن الدرس واحد: **حين تضعف الدولة، أو تخطئ في حساباتها، أو تغفل عن الاستعداد للمخاطر، تصبح الأرض والسيادة وأرواح الشعوب رهينة.**
* **ليبيا:** عانت من انقسام سياسي وعسكري مزق النسيج الاجتماعي.
* **السودان:** دخل في حرب مدمرة استنزفت مقدرات الدولة بين الجيش وقوات الدعم السريع.
* **سوريا:** عاشت سنوات من التفكك، والحرب الأهلية، والتدخلات الخارجية، وانتهاك السيادة.
* **اليمن:** استنزفته الحرب وتعدد مراكز السلطة والقرار.
* **العراق:** دفع وما زال يدفع ثمن انهيار المؤسسات وصراعات طويلة.
* **الخليج:** تحول إلى مسرح لعمليات نشطة وحروب بالوكالة ليست حروبه.
الخسارة التي تتكبدها الدول في سنوات الفوضى، قد تحتاج إلى أجيال لإصلاحها، أو قد لا تعود أبداً.
مصر.. استثناء النجاة و"معادلة الردع"
وسط هذا الكم من الحرائق، حافظت مصر على تماسك دولتها، ووحدة أراضيها، واستقرار مؤسساتها. هذا لم يحدث بمحض الصدفة، بل هو نتيجة حتمية لوعي الشعب المصري، وتكامل دور الجيش ومؤسسات الدولة، ورؤية القيادة السياسية التي أدركت مبكراً أن "المنطقة لا تعرف رحم الضعفاء".
ولكن، هل يعني هذا أننا بمعزل عن الخطر؟ **الإجابة القاطعة: لا.** الحفاظ على ما تحقق يتطلب استعداداً مضاعفاً، وهو ما يقودنا إلى الأسئلة الجوهرية التي يطرحها المواطن بحق.
أسئلة الشارع.. ولغة الأرقام والحقائق
لسنوات طويلة، وطوال تنفيذ خطط التنمية والتسليح، تساءل الكثيرون: *لماذا كل هذا الإنفاق؟ لماذا الأنفاق والطرق؟ ولماذا ضبط النفس أمام الاستفزازات؟*
هذه أسئلة مشروعة، ومن حق المواطن أن يسأل عن الأولويات، لكن اضطرابات المنطقة كشفت عن "الجانب الخفي" من الصورة:
أولاً: لماذا صرفنا مليارات على التسليح؟
لأن حماية الحدود والسيادة لا تُصان بـ "البيانات الدبلوماسية" فحسب، بل بـ **القدرة الفعلية على الردع**. امتلاك القوة يمنح الدولة "حرية القرار"، ويجعل تكلفة الاعتداء عليها باهظة لدرجة أن العدو يعيد حساباته ألف مرة قبل التفكير في المساس بمصر.
ثانياً: لماذا استراتيجية "ضبط النفس"؟
القوة الحقيقية ليست في التسرع، بل في **حساب التوقيت والنتائج**. الدخول في مواجهات عسكرية عشوائية أو فتح جبهات متعددة هو "انتحار استراتيجي" يستنزف الدول. الحكمة المصرية كانت في حماية المصالح العليا، واختيار وسيلة وتوقيت الرد، وحساب ما بعد "الضربة الأولى" بدقة جراحية.
ثالثاً: الأنفاق، تنمية سيناء، وشبكة الطرق.. ترف أم ضرورة؟
ربط سيناء بالوادي، وحفر الأنفاق، ورصف آلاف الكيلومترات من الطرق، لم يكن مجرد "تسهيل لحركة المواطنين" فحسب. في أوقات الأزمات، تتحول هذه البنية التحتية إلى **شرايين حياة استراتيجية**؛ تسهل الحركة السريعة للقوات والإمدادات، وتقلل زمن الاستجابة للطوارئ، وتعزز الوجود الدائم للدولة في كل شبر من الأرض.
رابعاً: تطوير قناة السويس والموانئ والسكك الحديدية
الموقع الجغرافي لمصر "ثروة" لكنه أيضاً "هدف". مع ظهور ممرات تجارية منافسة ومتغيرات عالمية، كان التطوير المستمر للخدمات اللوجستية والنقل هو السبيل الوحيد للحفاظ على تنافسية مصر، وتأمين تدفق العملة الصعبة، وترسيخ دورها كقطب تجاري عالمي لا غنى عنه.
خامساً: الأمن الغذائي والدوائي (المخزون الاستراتيجي)
الأزمات العالمية أثبتت أن سلاسل الإمداد قد تُقطع بين ليلة وضحاها. وجود مخزون استراتيجي ضخم من القمح والغذاء والدواء هو **"الصمام الآمن"** الذي يقلل من هشاشة الدولة، ويحمي المواطن من صدمات الأسعار، ويمنع انهيار الجبهة الداخلية وقت الضغوط.
بين النقد البناء.. وهدم الأوطان
رغم كل ما سبق، ورغم بعض التحفظات المشروعة على الأداء الاقتصادي للحكومة، وحق المواطن الأصيل في السؤال والمحاسبة والمطالبة بتحسين الخدمات؛ إلا أن هناك خطاً فاصلاً يجب أن نعيه جميعاً.
**التماسك الوطني ليس ترفاً.** يمكنك أن تنتقد قراراً اقتصادياً، وتطالب بحقوقك المشروعة، وتختلف مع سياسات الحكومة، وفي نفس الوقت تكون واعياً تماماً بقيمة الجيش، ومؤسسات الدولة، ووحدة البلد.
مصر اليوم، بأمسّ الحاجة إلى شعبٍ يملك "الوعي المركب": يطالب بحقوقه بلا تنازل، يحافظ على دولته كعينيه، ويميز بوضوح بين **النقد الذي يُصلح المسار**، و**الشائعة والهدم الذي يخدم أعداء الوطن**.
إن نجاتنا وتماسكنا حتى اليوم ليس "مكتسباً أبدياً"، بل هو **مسؤولية يومية** تقع على عاتق كل مواطن مصري.
**فحفظ الله مصر.. أرضاً، وشعباً، وجيشاً، وقيادة.** 🇪🇬
***
**© حقوق النشر والنشر محفوظة لمنصة «الوطن اليوم» - يُسمح بالاقتباس بشرط ذكر المصدر والرابط.**
#مصر #الأمن_القومي_المصري #الوطن_اليوم #وعي_الشعب #تماسك_الدولة #المشروعات_القومية #التحليل_السياسي #الشرق_الأوسط

تعليقات
إرسال تعليق