كتب/ شعبان الأزهري
منذ أشرقت شمس الإسلام، لم تُقس النشرات الحربية انتصارات الأمة بعدد الألسنة ولا بثقل العتاد، بل صيغت معادلة النصر في الإسلام من مزيج فريد تجمع فيه الروحانيات المجرّدة بالواقعية المادية الصلبة.
فالنصر في العقيدة الإسلامية ليس صدفة عمياء، ولا ضربة حظ حربية، بل هو نتيجة حتمية لسُنن إلهية ثابتة وقوانين كونية لا تجامل أحداً. وحين نلقي بصرنا على التاريخ المعاصر، ينبثق حرب أكتوبر 1973 (العاشر من رمضان 1393هـ) كأوضح نموذج تجسدت فيه هذه الفلسفة، حيث التقت الروح العالية المفعمة بالإيمان بالتخطيط العلمي المحكم، ليصنعا معاً ملحمة تاريخية غيرت وجه المنطقة.
أولاً: المقومات العقائدية والروحية للنصر
تستند فلسفة العسكرية الإسلامية إلى رؤية إيمانية تجعل المعركة في جوهرها اختاماً للقيم والأخلاق قبل أن تكون نزاعاً على الأرض. وتتجلى هذه الرؤية في عدة عوامل أساسية:
اليقين بالله وتجريد التوكل: اليقين بأن النصر من عند الله وحده هو الركيزة الأولى:
{وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}، هذا التوكل ليس سلبيّاً، بل هو طاقة نفسية هائلة تحرر المقاتل من الخوف والخنوع، وتمنحه ثباتاً راسخاً في أحلك الظروف.
عقيدة الرائد والغاية السامية: لا يخوض المسلم الحرب بغية الطغيان أو سلب الخيرات، بل دفاعاً عن الحق، وردعاً للظلم، واستعادةً للكرامة، هذه الغاية النبيلة هي التي تمنح الجندي شحنة معنوية لا تقدر بثمن، وتجعل أداءه قتالاً عن عقيدة لا مجرد تأدية لوظيفة.
سلاح الروح وشهوة الشهادة: إن المفهوم الإسلامي للشهادة يقلب الموازين؛ فالموت في سبيل الحق ليس نهاية، بل هو ذروة النجاح.
هذا المعنى يتجاوز الحسابات العسكرية التقليدية، حيث يقف التكتيك العاجز أمام مقاتل يرى في الثبات إما نصراً يقر العين أو شهادة تفتح أبواب الخلود.
ثانياً: الأخذ بالأسباب والجاهزية المادية
يخطئ من يظن أن الاعتماد على البعد الروحي في الإسلام يغني عن الأخذ بالأسباب؛ فالقرآن الكريم جعل الإعداد المادي فريضة شرعية صريحة: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}.
التخطيط والدراسة:
الأخذ بالأسباب يتطلب استيعاب أدوات العصر، وإعداد الخطط الشاملة التي ترصد نقط القوة والضعف لدى الطرفين.
الاستفادة من العلم:
العسكرية الإسلامية تاريخياً اعتمدت على التطوير المستمر والتطبيق الدقيق للعلوم الحديثة في الهندسة، والتكتيك، والإدارة اللوجستية.
التضامن والتلاحم:
لا يتحقق نصر فردي؛ بل يتطلب تضافر الجهود وتكاتف الأمة، وتكاملاً بين الجبهة العسكرية والجبهة الداخلية.
ثالثاً: حرب أكتوبر 1973.. التطبيق العملي للنموذج الإسلامي
لم تكن حرب أكتوبر مجرد مواجهة عسكرية خاطفة، بل كانت تجسيداً حياً لهذه المنظومة المتكاملة من الأسباب الإيمانية والمادية.
1- الإعداد المادي والتخطيط الدقيق
الخداع الاستراتيجي: أدارت القيادة المصرية ملحمة في الخداع والتكتم الاستخباراتي، حيث أُخفيت ساعة الصفر بدقة متناهية، وأُدرجت التحركات في إطار المناورات المعتادة.
الهندسة والعلم: تفتقت الذهنية العسكرية عن حلول علمية مبتكرة لخداع العقبات الطبيعية والصناعية؛ كاستخدام مضخات المياه الهندسية لإذابة الساتر الترابي المنيع لخط بارليف، وبناء جسور العبور تحت قصف متواصل.
التنسيق العربي: تجسدت وحدة الصف في قرار استخدام سلاح النفط، والتنسيق العسكري الشامل على الجبهتين المصرية والسورية.
2. التجلي الروحي ونداء "الله أكبر"
شعار المعركة: زلزل صيحة "الله أكبر" جنبات القناة أثناء العبور، لم تكن مجرد كلمة، بل كانت بياناً للقلوب وتثبيتاً للأقدام، أذابت الرهبة وأعادت للجنود الثقة في قدرتهم على قهر "الجيش الذي لا يُقهر".
رمضانيات الميدان: خاض المقاتلون المعركة وهم صائمون في العاشر من رمضان، مستحضرين أريج غزوة بدر الكبرى، مما أضفى على المعركة بعداً إيمانياً وتاريخياً مضاعفاً.
الروح المعنوية للجبهة الداخلية: التحم الشعب مع القوات المسلحة، وانخفضت معدلات الجريمة في تلك الأيام إلى أدنى مستوياتها، وتحول المجتمع بأكمله إلى خلية نحل تعمل لهدف واحد.
إن نصر أكتوبر لم يكن معجزة خارجة عن نطاق البشر، بل كان نتيجة حتمية لاستيفاء "عوامل النصر" كما شرعها الإسلام وكما تجسدها حركة التاريخ، لقد أثبتت تلك الملحمة أن الأمة عندما تجمع بين إيمان العقيدة وعلم التخطيط، وبين صلابة الروح ودقة الأخذ بالأسباب، تصبح قادرة على تجاوز أعتى الأزمات وقلب الموازين.
يبقى درس أكتوبر حياً ومتجدداً: إن النصر لا يُمنح للكسالى ولا للمتواكلين، بل هو ثمرة زرع يروى بعرق الإعداد والعمل، ويُحصَد بفضل الله وتوفيقه.

تعليقات
إرسال تعليق