كتب /شعبان الأزهري
لم يكن الخطاب النبوي قالباً صامداً يُفرض على الجميع بالوتيرة ذاتها، بل كان نسيجاً متجدداً يراعي الأنماط الشخصية، القدرات الذهنية، الطاقات الروحية، والظروف الاجتماعية لكل صحابي، تجلت هذه المراعاة في توجيهاته، وإجاباته عن الأسئلة المتشابهة، وتكليفه للمهام، لتغدو التربية النبوية أنموذجاً فريداً في الاستثمار في الطاقات البشرية.
أولاً: اختلاف الإجابة باختلاف السائل (التوجيه المشخص)
من أبرز مظاهر مراعاة الفروق الفردية تباين إجابات النبي صلى الله عليه وسلم حين يُسأل السؤال نفسه: "أي الأعمال أفضل؟" أو "أوصني"؛ إذ كان يُشخّص احتياج كل شخص وبناءً عليه يقدم الوصية الأنسب لترميم نقصه أو استثمار قوته:
لأبي ذر رضي الله عنه: حين سأله الوصية، قيد تحذيره بما يتناسب مع طبيعة شخصيته الزاهدة الضعيفة عن الإدارة: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي، لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ».
لرجل غضوب (سفيان بن عبد الله أو غيره): عندما طلب الوصية، كرر عليه ثلاثاً: «لاَ تَغْضَبْ»، لمعرفته بضعف نطاقه الانفعالي.
لمن يستثقل كثرة التشريعات (عبد الله بن بسر): قال له: «لاَ يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ»، اختصاراً بما يطيق ولا ينفر.
لعبد الله بن عمرو بن العاص: كان شاباً حريصاً ذابلاً في العبادة، فرده النبي صلى الله عليه وسلم للتدرج حتى لا يصاب بالفتور، قائلاً: «اقْرَإِ القُرْآنَ فِي شَهْرٍ... صُمْ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ».
ثانياً: التكليف بالمهام واستثمار المهارات الخاصة
أدرك النبي صلى الله عليه وسلم كوامن القوة عند كل صحابي، فلم يضع أحداً في غير موضعه، بل وزّع الأعمال والمسؤوليات بناءً على التخصصات.
العبقرية العسكرية: وُجّه خالد بن الوليد للقيادة الميدانية وفنون الحرب، ولم يُشغل بكثرة الفتيا أو القضاء لحاجة الأمة إلى ملكته الحربية.
الاستعداد اللغوي والتقني: أمره النبي صلى الله عليه وسلم لـ زيد بن ثابت بتعلم لغة يهود (السنكريتية/العبرية)، فتعلمها في خمس عشرة ليلة لاتصافه بالذكاء الحاد وحفظ السجلات والترجمة.
العمق الفقهي والقضائي: قال عن معاذ بن جبل: «أَعْلَمُهُمْ بِالْحَلاَلِ وَالْحَرَامِ»، وأرسله قاضياً ومعلماً لليمن لما يملكه من قدرة على الاستنباط والاجتهاد.
القدرات المالية والأمانة القيادية:
وصف أبا عبيدة بن الجراح بقوله: «لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ»، وكلفه بالمهام المالية وجمع الجباية والمصالح العامة.
ثالثاً: مراعاة البيئة والخلفية الثقافية
فرق النبي صلى الله عليه وسلم في أسلوب التوجيه بين أهل المدن والمجتمعات الحضارية، وبين الأعراب سكان البادية الذين اتسموا بالجفاء وقلة المعرفة بالآداب:
مع الأعرابي بالبول في المسجد: راعى جهله وطبيعته الجلفية، فمنع الصحابة من الشدة معه وقال: «دَعُوهُ... فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ».
مع معاوية بن الحكم السلمي (تكلم في الصلاة): لم يعنفه بل قال له برفق: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلاَةَ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ»، حتى قال معاوية: "فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّماً قَبْلَهُ وَلاَ بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيماً مِنْهُ".
رابعاً: مراعاة الفروق بين الجنسين والمراحل العمرية
الأطفال والشباب: خصهم صلى الله عليه وسلم بأساليب قائمة على الود والملاطفة وبناء الثقة؛ كقوله لابن عباس وهو غلام: «يَا غُلاَمُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ...»، وملاطفته لأبي عمير الصغير: «يَا أَبَا عُمَيْرٍ مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ؟».
النساء: أفرد لهن يوماً خاصاً للتعليم والفتيا حين طلبن ذلك رعاية لظروفهن ومراعاة لطلب العلم الخاص بهن، دون مزاحمة الرجال.
أثر مراعاة الفروق الفردية
أثمر هذا النهج النبوي الفريد عن نتائج تربوية واجتماعية باهرة:
بناء ثقة الصحابي بنفسه: كفل لكل فرد الشعور بقيمته وأهمية دوره ضمن المكون الجماعي للأمة.
تكامل أركان المجتمع: أدى تفجير الطاقات المتنوعة إلى وجود قادة، فقهاء، قضاة، شعراء (كحسان بن ثابت)، مترجمين، وتجار، مما أسس لدولة متكاملة البناء.
ديمومة العطاء: حين يُكلف الفرد بما يوافق وسعه وطاقته، يستمر عطاؤه ولا ينقطع جراء الإرهاق النفسي أو السلوكي.
لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في "تفريد التعليم" واستثمار الفروق الشخصية، مجسداً ا
لقول الإلهي: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾.

تعليقات
إرسال تعليق