القائمة الرئيسية

الصفحات

هل رفضت مصر «الشيك المفتوح»؟ قراءة تحليلية في حسابات القاهرة تجاه اليمن والقرن الإفريقي

هل رفضت مصر «الشيك المفتوح»؟ قراءة تحليلية في حسابات القاهرة تجاه اليمن والقرن الإفريقي

بقلم: الكاتب الصحفي مختار أبوالخير|لـ«الوطن اليوم ـ حصري»


في خضم التوترات المتصاعدة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الموقف المصري من التطورات العسكرية والأمنية المحيطة بمضيق باب المندب، والأزمة اليمنية، وملف سد النهضة الإثيوبي.


وتتداول بعض المنصات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي روايات تتحدث عن ضغوط أمريكية على القاهرة للتدخل عسكريًا في اليمن مقابل دعم اقتصادي واسع، إلا أنه لا توجد، حتى الآن، بيانات رسمية موثوقة تؤكد تفاصيل هذا الطرح. لذلك، فإن قراءة الموقف المصري يجب أن تستند إلى المعطيات المعلنة، وإلى طبيعة السياسة المصرية القائمة على حماية المصالح الوطنية وتجنب الانخراط في حروب استنزاف طويلة.


 مصر وحسابات التدخل العسكري في اليمن


يمثل مضيق باب المندب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، لما له من تأثير مباشر على حركة التجارة الدولية وقناة السويس. ومن هذا المنطلق، تتابع القاهرة عن كثب التطورات الأمنية في البحر الأحمر واليمن، باعتبارها جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن القومي المصري.


لكن متابعة التطورات لا تعني بالضرورة الانخراط في عملية عسكرية واسعة. فالتجارب الإقليمية أثبتت أن التدخلات العسكرية المفتوحة قد تتحول سريعًا إلى صراعات ممتدة، تستنزف الموارد البشرية والاقتصادية، وتعيد إنتاج الأزمات بدلًا من حلها.


وتبدو الرؤية المصرية، وفقًا للمواقف المعلنة، قائمة على حماية الملاحة الدولية وتأمين المصالح الاستراتيجية، مع تجنب تحويل القوات المسلحة المصرية إلى طرف في صراعات بالوكالة أو حروب لا تخدم الأمن القومي المباشر.


الرفض المصري لحروب الاستنزاف


تدرك القاهرة أن قوة الجيش لا تقاس فقط بقدرته على خوض المعارك، وإنما بقدرته على اختيار توقيت المواجهة ومكانها وأهدافها. فالدولة التي تمتلك جيشًا قويًا لا تتحرك بدافع الانفعال، ولا تنجرف خلف الشعارات، بل توازن بين المخاطر والنتائج قبل اتخاذ أي قرار.


ومن هذه الزاوية، فإن عدم التورط في ساحات قتال متعددة، من اليمن إلى ليبيا والسودان وسوريا، يمكن قراءته باعتباره جزءًا من سياسة استراتيجية تهدف إلى الحفاظ على جاهزية القوات المسلحة وحماية الاقتصاد ومنع استنزاف الدولة في صراعات إقليمية معقدة.


القوة الحقيقية لا تعني إطلاق النار في كل اتجاه، بل تعني امتلاك القدرة على الردع، واستخدام أدوات السياسة والدبلوماسية والتحالفات، مع الاحتفاظ بالخيار العسكري عندما تقتضي الضرورة.


باب المندب والقرن الإفريقي.. معركة النفوذ الهادئ


بينما ينصب اهتمام العالم على التطورات في اليمن وشرق باب المندب، تركز مصر كذلك على الضفة الغربية للبحر الأحمر، حيث دول القرن الإفريقي التي تمثل عمقًا استراتيجيًا بالغ الأهمية للأمن المصري.


وتحظى دول مثل إريتريا وجيبوتي والصومال بأهمية خاصة، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي، بل أيضًا لارتباطها المباشر بأمن البحر الأحمر وحركة الملاحة الدولية. ومن هنا، تعمل القاهرة على تعزيز علاقاتها مع دول المنطقة عبر التعاون السياسي والعسكري والتنموي، إلى جانب دعم بناء المؤسسات الوطنية ومكافحة الإرهاب وحماية أمن الملاحة.


ويختلف هذا النهج عن سياسة الفوضى أو دعم الجماعات المسلحة؛ إذ تراهن مصر، بحسب ما تعلنه رسميًا، على التعاون مع الدول ومؤسساتها، وتدعيم الاستقرار، وتوسيع الشراكات بدلًا من إشعال الصراعات الداخلية.


 الأزمة الإثيوبية وتعدد مراكز التوتر


تواجه إثيوبيا تحديات داخلية متعددة، تتعلق بالتوترات السياسية والعرقية والاقتصادية، فضلًا عن الصراعات المسلحة في عدد من الأقاليم. وقد شهدت البلاد خلال السنوات الماضية مواجهات معقدة، شملت إقليم تيجراي ومناطق أخرى، ما انعكس على استقرار الدولة وقدرتها على إدارة ملفاتها الداخلية.


لكن من المهم التعامل مع هذه التطورات بحذر، وعدم اختزال المشهد الإثيوبي في رواية واحدة أو اعتبار كل تحرك داخلي جزءًا من مؤامرة خارجية. فالأزمة الإثيوبية ذات جذور سياسية واجتماعية عميقة، وتحتاج إلى قراءة دقيقة بعيدًا عن المبالغة أو التوظيف الإعلامي.


أما ملف سد النهضة، فيبقى أحد أبرز ملفات الأمن القومي المصري، نظرًا لارتباطه المباشر بحقوق مصر المائية واستقرارها. وتؤكد القاهرة باستمرار تمسكها بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد الملء والتشغيل، بما يحفظ مصالح جميع الأطراف ويمنع الإضرار بدولتي المصب.


«بني شنقول» بين التاريخ والجغرافيا والسياسة


تُطرح أحيانًا إشارات تاريخية إلى إقليم بني شنقول، الذي يقع فيه سد النهضة، وإلى صلات إدارية قديمة بين أجزاء من المنطقة والإدارة المصرية خلال فترات تاريخية سابقة.


غير أن توظيف هذه الوقائع يحتاج إلى قدر كبير من الدقة؛ فالتاريخ لا يمكن استخدامه وحده لتحديد الحقوق السياسية والقانونية المعاصرة. ويبقى الأساس في التعامل مع ملف النيل هو القانون الدولي، والاتفاقيات المنظمة، ومبدأ عدم الإضرار، والتعاون بين دول حوض النيل.


 سياسة النفس الطويل


تاريخ السياسة المصرية يؤكد أن القاهرة تفضل غالبًا سياسة النفس الطويل، التي تجمع بين التحرك الدبلوماسي، وبناء الشراكات، وتعزيز القدرات الدفاعية، وإرسال رسائل ردع واضحة عند الضرورة.


وقد ظهر هذا النهج في أكثر من ملف إقليمي، حيث عملت مصر على تحديد مصالحها وخطوطها الحمراء دون الانجرار إلى مواجهات غير محسوبة. فالموقف الحازم لا يشترط دائمًا إعلان الحرب، بل قد يتحقق عبر التحالفات، والاتصالات السياسية، والوجود الاقتصادي، والتحركات الدبلوماسية، والاستعداد العسكري.


وتجسد قاعدة «سرت ـ الجفرة» في ليبيا، على سبيل المثال، نموذجًا لرسالة ردع مصرية هدفت إلى منع تجاوز خطوط الأمن القومي، مع استمرار المساعي السياسية لتسوية الأزمة الليبية.


مصر لا تبحث عن حرب.. لكنها لا تتنازل عن أمنها


المعادلة المصرية في المنطقة تبدو واضحة: لا رغبة في التورط في حروب مفتوحة، ولا قبول بتحويل الأمن القومي إلى ورقة تفاوض، ولا استعداد للتخلي عن المصالح الاستراتيجية تحت ضغط الأزمات.


ومن ثم، فإن الحديث عن «شيك مفتوح» أو صفقة سرية يحتاج إلى أدلة رسمية ومعلومات موثقة، وليس مجرد روايات متداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. أما المؤكد، فهو أن مصر تتحرك وفق حسابات دقيقة، تضع أمنها المائي، وأمن البحر الأحمر، وحماية قناة السويس، واستقرار حدودها، في مقدمة أولوياتها.


وفي منطقة تعصف بها الصراعات وتتصادم فيها المصالح الدولية، قد يكون الهدوء المصري جزءًا من استراتيجية أوسع لا تظهر نتائجها فورًا. فالدول الكبرى لا تكشف دائمًا كل أوراقها، ولا تقيس نجاحها بعدد المعارك التي تخوضها، بل بقدرتها على حماية مصالحها وتجنب الاستنزاف والحفاظ على خياراتها مفتوحة.


**مصر لا تبحث عن معركة جديدة، لكنها في الوقت نفسه لا تسمح بأن تتحول أزماتها الاستراتيجية إلى أوراق ضغط عليها. وبينما تتغير خريطة التحالفات في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي، تواصل القاهرة بناء نفوذها بهدوء، مستندة إلى موقعها الجغرافي، وقدراتها العسكرية، وثقلها السياسي، وخبرة طويلة في إدارة الأزمات.**

تعليقات