كتب / شعبان الأزهري
تبدأ قصة الرسالة الخاتمة بكلمة واحدة، لم تكن أمراً بالصلاة، ولا بالجهاد، ولا بجمع المال، بل كانت أمراً ربانياً صريحاً: {اقْرَأْ}. في تلك اللحظة التاريخية في غار حراء، أُعلنت هوية هذه الأمة؛ أمةٌ مفتاح عِزها، وبوابة حضارتها، وأساس قيامها هو القراءة والمعرفة.
لكن المفارقة المؤلمة التي نعيشها اليوم تتجلى في الفجوة الهائلة بين النص والواقع. الأمة التي بدأت بـ "اقرأ" باتت تصنف في ذيل القوائم العالمية من حيث معدلات القراءة والمطالعة. تحولت القراءة من طقس يومي وضرورة وجودية إلى رفاهية نادرة، أو واجب ثقيل ينتهي بانتهاء الاختبارات الدراسية. فما الذي حدث؟ وأين تكمن جذور الأزمة؟ وكيف نعيد لـ "أمة اقرأ" كتابها المسلوب؟
تشخيص الداء: أبعاد أزمة القراءة في العالم الإسلامي
إذا أردنا صياغة حلول حقيقية، علينا أولاً أن نتخلى عن مسكنات الملامة السطحية ونغوص في عمق الأسباب التي أدت إلى عزوف المواطن المسلم عن الكتاب:
1. الأزمة الهيكلية والتعليمية
تحولت المنظومات التعليمية في كثير من بلدان العالم الإسلامي إلى معامل "لتلقين" المعلومات بدلاً من "توليد" المعرفة، يُربى الطالب على أن الكتاب المدرسي هو غاية المراد لمجرد عبور الامتحانات، مما خلق ارتباطاً شرطياً سلبياً بين الكتاب والضغط النفسي. غابت حصص المطالعة الحرة، وافتقرت المدارس إلى المكتبات الجاذبة.
2. السعار الرقمي والتشتت التكنولوجي
نحن نعيش في عصر "اقتصاد الانتباه"، حيث تتنافس خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي على سرقة عقول الشباب، استبدل الإنسان المعاصر عمق الكتاب الورقي بـ "السطحية الرقمية" والفيديوهات السريعة التي تعطي وهماً بالمعرفة دون عمق فكري، مما أضعف القدرة البشريّة على التركيز الطويل وقراءة النصوص المعقدة.
3. التحديات الاقتصادية والاجتماعية
في ظل الأزمات الاقتصادية التي تعصف بالعديد من الدول الإسلامية، تراجع الكتاب في سلم الأولويات أمام لقمة العيش، بالإضافة إلى غياب الوعي المجتمعي؛ فالمجتمعات التي تبجل المظاهر المادية والوجاهة الاجتماعية على حساب الوجاهة الفكرية، تصبح بيئة طاردة للمثقفين والقراء.
أثر غياب القراءة على واقع الأمة
إن العزوف عن القراءة ليس مجرد خسارة ثقافية، بل هو منبع للكوارث التي نراها في واقعنا المعاصر:
سيادة التسطيح والتبعية:
الأمة التي لا تقرأ، لا تنتج فكراً، وبالتالي تصبح مستهلكة تابعة للأفكار المستوردة، عاجزة عن قيادة نفسها أو التأثير في العالم.
انتشار التطرف والوعي الزائف:
غياب القراءة العميقة والفكر النقدي يجعل الشباب صيداً سهلاً للأفكار المتطرفة والتفسيرات السطحية أو المغلوطة للدين والحياة؛ فالجهل هو التربة الخصبة التي ينمو فيها الغلو والتعصب.
التراجع القيمي والأخلاقي:
القراءة توسع المدارك وتنمي التعاطف الإنساني ، غيابها يضيق أفق الإنسان، ويجعله متمركزاً حول ذاته، مما يضعف النسيج الأخلاقي للمجتمع.
خريطة الطريق: كيف ننهض بأمة اقرأ؟
إن العودة إلى ريادة المعرفة ليست مستحيلة، لكنها تتطلب استراتيجية شاملة تشترك فيها أركان المجتمع كافة (الأسرة، المدرسة، الدولة، والمؤسسات الدينية )
أولاً: المحضن الأول (البيت والأسرة)
الطفل لا يفعل ما نقوله، بل يفعل ما نفعله. إذا نشأ الطفل في بيت يرى فيه والديه يمسكان بالكتب بدلاً من الشاشات طوال الوقت، ستصبح القراءة لديه عادة غريزية.
خطوة عملية:
تخصيص "مكتبة منزلية مصغرة" في كل بيت، وجعل ساعة يومية أو أسبوعية للقراءة الجماعية ومناقشة الكتب بين أفراد الأسرة.
ثانياً: ثورة في المناهج التعليمية
يجب الانتقال بالتعليم من مرحلة الحفظ والتسميع إلى مرحلةالتفكير النقدي والتحليلي.
خطوة عملية: إدراج كتاب خارجي شهرياً تلزم المدرسة الطلاب بقراءته وتلخيصه ومناقشته، مع تحويل مكتبة المدرسة إلى مركز نابض بالأنشطة الثقافية والمناظرات.
ثالثاً: تطويع التكنولوجيا لصالح المعرفة
بدلاً من محاربة الشاشات، يجب أن ندخل الكتاب إليها بذكاء،تشجيع التطبيقات التي تقدم الكتب الصوتية والملخصات العميقة، ودعم صناع المحتوى الثقافي الذين يحببون الجيل الجديد في المطالعة بلغة عصرية رشيقة.
رابعاً: دور المؤسسات الدينية والثقافية
على المنابر والمؤسسات الإسلامية أن تعيد التذكير بأن القراءة فريضة شرعية وليست ترفاً. ينبغي إطلاق مبادرات كبرى (على غرار تحدي القراءة العربي) برعاية دولية ومؤسسية، مدعومة بجوائز مادية ومعنوية ضخمة ترفع من شأن القارئ في مجتمعه.
إن أزمة القراءة في العالم الإسلامي ليست قدراً محتوماً، بل هي وعكة حضارية يمكن الشفاء منها إذا توفرت الإرادة الصادقة. عندما أمر الله نبيه ﷺ بالقراءة في أول لقاء بالسماء، كان يعلم أن العقل البشري هو أداة الاستخلاف في الأرض.
لن تنهض الأمة بالشعارات، ولا بالتباكي على أمجاد الماضي (كبيت الحكمة والمكتبات الأموية والعباسية)، بل بفتح أول صفحة في كتاب اليوم.
إن كل كتاب تقرأه بعمق هو خطوة صغيرة نحو ترميم جدار هذه الأمة المتهدم، فلنبدأ بأنفسنا، ولنجعل من القراءة
طقساً مقدساً، حتى نكون حقاً أمة تستحق شرف الانتساب للكلمة الأولى: اقرأ.

تعليقات
إرسال تعليق