كتب / شعبان الأزهري
في وقت تتلاطم فيه أمواج الفكر وتتصارع الثقافات، يقف الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب كجبلٍ أشم، يمثل صوت العقل، والحكمة، والوسطية. هو الشيخ الثامن والثلاثون في سلسلة مشايخ الأزهر الشريف (تولى المشيخة عام 2010 م)، والشخصية التي استطاعت أن تعبر بالأزهر إلى آفاق العالمية، متمسكاً بجذور التراث ومنفتحاً على معطيات العصر.
النشأة: من "القرنة" إلى أروقة "السوربون"
ولد الإمام أحمد محمد الطيب في قرية "القرنة" بمحافظة الأقصر عام 1946 م، في أسرة شريفة عُرفت بالعلم والصلاح وإصلاح ذات البين. نشأ في كنف والده الذي غرس فيه قيم التصوف السني المنضبط، والتحق بالأزهر الشريف حتى حصل على الليسانس في العقيدة والفلسفة.
سافر إلى فرنسا وحصل على الدكتوراه من جامعة "السوربون"، مما منحه أفقاً فلسفياً واسعاً وقدرة على محاورة الفكر الغربي بأدواته، وهو ما تجلى لاحقاً في بحوثه التي تناولت قضايا العقيدة والفلسفة الإسلامية والفرنسية.
ملامح مشيخته: "الأزهر في قلب العالم"
تولى الإمام الطيب مشيخة الأزهر في ظروف استثنائية مرت بها المنطقة العربية والعالم، وبرزت في عهده ملامح قيادية فريدة:
* ترسيخ السلام العالمي: يُعد توقيع "وثيقة الأخوة الإنسانية" مع البابا فرنسيس في أبوظبي عام 2019 م حدثاً تاريخياً، حيث وضع الإمام أساساً عالمياً للتعايش السلمي بعيداً عن صراع الأديان.
* تطوير التعليم الأزهري: أولى اهتماماً كبيراً بتنقية المناهج الدراسية وإعادة إحياء "التراث النقدي"، مع إدخال العلوم الحديثة لضمان تخرج عالم أزهري يفهم واقعه ويجيد لغة عصره.
* مواجهة التطرف والإرهاب: كان الأزهر في عهده الحصن المنيع ضد الجماعات المتطرفة، حيث أسس "مرصد الأزهر لمكافحة التطرف" لمحاربة الأفكار المنحرفة بسبع لغات عالمية.
* الانحياز للقضايا العربية والإسلامية: ظل الإمام صوتاً قوياً ومستقلاً في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني وعروبة القدس، وعن حقوق المستضعفين في كل مكان.
منهجه العلمي وفلسفته
* التصوف الأخلاقي: يمثل الإمام الطيب الجانب الروحي والأخلاقي للإسلام، حيث يرى أن جوهر الدين هو تهذيب النفس والرحمة بالخلق.
* العقلانية المؤمنة: يجمع في منهجه بين "النقل" و"العقل"، مؤكداً أن الإسلام لا يصادم العلم ولا يرفض التطور، بل يوجهه لما فيه مصلحة الإنسان.
آثاره العلمية
ترك الإمام للمكتبة الإسلامية والفلسفية مؤلفات رصينة، منها:
* الجانب النقدي في فلسفة أبي البركات البغدادي.
* مباحث العلة والمعلول من كتاب المواقف: (دراسة وتحقيق).
* مدخل لدراسة المنطق القديم.
* حديث الإمام: وهو مجموعة مقالات ولقاءات تتناول قضايا العصر من منظور إسلامي وسطى.
الأستاذ الإمام.. نموذجاً
يُنظر إلى الدكتور أحمد الطيب (متعه الله بالصحة والعافية )اليوم كرمز للثبات والوقار، فهو العالم الذي زهد في الأضواء فأتته صاغرة، والقائد الذي لم يتنازل عن استقلال مشيخته وعزة عمامته. بساطته في الحديث وعمقه في الفكر جعلته محل احترام القادة والعلماء والشعوب حول العالم.
بقي أحمد الطيب "حكيم العرب والمسلمين"، يواصل مسيرة الأزهر في نشر السلام، مؤكداً أن "الأزهر ليس مجرد مدرسة، بل هو رسالة رحمة للعالمين".

تعليقات
إرسال تعليق