القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ محمد الخضر حسين: الإمام الغريب والمجاهد التونسي على كرسي المشيخة

 



كتب/ شعبان الأزهري 


في تاريخ الأزهر الشريف، هناك أسماء تجاوزت حدود الجغرافيا لتصنع مجداً عابراً للأوطان، ومن أبرز هذه الأسماء الإمام العلامة محمد الخضر حسين. هو الشيخ الثلاثون في سلسلة مشايخ الأزهر، والوحيد من "المغاربة" (من تونس الخضراء) الذي نال هذا الشرف الرفيع في عام 1371 هـ (1952 م)، ليكون رمزاً لوحدة الأمة الإسلامية وعالمية الأزهر.


النشأة: من "نفطة" إلى جامع الزيتونة


ولد الشيخ محمد الخضر حسين في مدينة "نفطة" بتونس عام 1293 هـ (1876 م). نشأ في أسرة علمية عريقة (آل بن عزوز)، وحفظ القرآن الكريم ثم التحق بجامع الزيتونة المعمور، حيث نهل من علوم اللغة والشريعة حتى نال شهادة "العالمية".

امتاز منذ شبابه بروح ثائرة وعقل متقد، فأسس مجلة "السعادة العظمى" في تونس، وكانت أول مجلة علمية أدبية هناك، وبدأ منها رحلة الكفاح بالقلم ضد الاستعمار الفرنسي.


الرحلة إلى مصر: وطن العلم البديل


بسبب تضييق الاستعمار الفرنسي عليه في تونس، غادر الشيخ وطنه متنقلاً بين دمشق وإسطنبول، حتى استقر به المقام في مصر عام 1920 م. دخل الأزهر طالباً للعالمية مرة أخرى (ليحصل على الشهادة المصرية)، وسرعان ما أبهر علماء مصر بعلمه الغزير وفصاحته، فصار مدرساً بالجامع الأزهر، ثم عضواً في هيئة كبار العلماء، ثم شيخاً للأزهر.


ملامح مشيخته: "عزة العالم" فوق كل اعتبار


تولى الشيخ الخضر حسين المشيخة في أعقاب ثورة يوليو 1952، وكانت فترة قصيرة (نحو عام ونصف) لكنها حفلت بالمواقف المبدئية:

الدفاع عن استقلال الأزهر: كان الشيخ يؤمن إيماناً مطلقاً بأن الأزهر يجب أن يظل مؤسسة دينية تعليمية مستقلة، بعيدة عن وصاية السلطة السياسية.

الاستقالة الشهيرة: عندما شعر الشيخ بتدخلات تمس كيان الأزهر أو تقلل من هيبة علمائه، قدم استقالته في عام 1954 م، مسطراً أروع أمثلة الزهد في المنصب مقابل الحفاظ على المبدأ، قائلاً كلمته المأثورة: "إنما يخدم الأزهر من يكون أزهرياً قبل أن يكون شيخاً للأزهر".

مواجهة التغريب: وقف بقوة ضد التيارات التي حاولت النيل من اللغة العربية أو التشكيك في أصول العقيدة، ورد بكتب رصينة على كل من حاول المساس بثوابت الدين.


آثاره العلمية والأدبية


كان الشيخ الخضر حسين عالماً "موسوعياً" وأديباً شاعراً، ومن أهم مؤلفاته:

رسائل الإصلاح: وهي مجموعة مقالات وبحوث في إصلاح الفرد والمجتمع.

بلاغة القرآن: دراسة لغوية وبيانية عميقة.

نقض كتاب "الإسلام وأصول الحكم": حيث رد فيه بمنهج علمي على آراء الشيخ علي عبد الرازق.

نقض كتاب "في الشعر الجاهلي": رد فيه على الدكتور طه حسين في قضية الانتحال.


الوفاة والإرث


توفي الإمام محمد الخضر حسين في القاهرة عام 1377 هـ (1958 م)، ودفن في مقابر "آل تيمور" بناءً على وصيته. رحل "الإمام المجاهد" الذي أثبت أن العلم لا يعرف حدوداً، وأن العالم الحق هو من يملك قراره قبل أن يملك منصبه.

بقي الخضر حسين ملهماً للأجيال، يذكرونه كعالم تونسي المولد، مصري الهوى، أزهري الروح، عالمي الرسالة.

تعليقات