القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ حسن العطار: إمام التجديد ورائد النهضة الحديثة

 


كتب/ شعبان الأزهري 


بوفاة الشيخ أحمد الدمهوجي، اعتلى سدة مشيخة الأزهر الشريف واحد من أعظم عقول القرن التاسع عشر، وهو الإمام حسن بن محمد بن محمود العطار، ليصبح الشيخ الخامس عشر في تاريخ المؤسسة. تولى المشيخة في عام 1246 هـ (1830 م)، ويُعد عهده البداية الحقيقية لانفتاح الأزهر على العلوم العصرية، والجسر الذي عبرت عليه مصر من العصور الوسطى إلى العصر الحديث.


النشأة والموسوعية: العطار الذي عطر العالم بعلمه


ولد الشيخ حسن العطار في القاهرة عام 1180 هـ (1766 م) لأب من أصل مغربي كان يعمل عطاراً. نشأ في بيئة تجارية لكن شغفه بالعلم قاده إلى الأزهر. تميز العطار عن أقرانه بكونه "عقلاً قلقاً" لا يشبع من المعرفة، فلم يكتفِ بالعلوم الشرعية، بل درس الطب، والفلك، والرياضيات، والجغرافيا، والموسيقى.

أجبرته ظروف الحملة الفرنسية على مغادرة مصر، فجاب بلاد الشام، وتركيا، وألبانيا، والمغرب العربي. هذه الرحلات صقلت شخصيته وجعلته يدرك مدى التطور الذي وصل إليه العالم، فعاد إلى مصر برؤية إصلاحية شاملة.


ملامح مشيخته: الأب الروحي للنهضة


تولى العطار المشيخة في ذروة حكم محمد علي باشا، وكان الصديق المقرب والمستشار الأول للوالي في مشروعاته التحديثية. تميزت فترته بـ:

 * دعم البعثات العلمية: كان العطار هو المحرك الأساسي لإرسال البعثات إلى أوروبا. وهو الذي رشح تلميذه النجيب رفاعة الطهطاوي ليكون إماماً للبعثة الأولى إلى فرنسا، وأوصاه بتدوين كل ما يراه هناك، مما نتج عنه كتاب "تخليص الإبريز".

 * إدخال العلوم الحديثة: شجع على دراسة العلوم الطبيعية في الأزهر، وكان يرى أن "من لم يطالع غير كتب الفقه واللغة، فلن يخرج عن كونه عامياً في صورة عالم".

 * تأسيس الصحافة والطب: كان له دور محوري في تأسيس جريدة "الوقائع المصرية"، ودعم إنشاء مدرسة الطب في "أبو زعبل" على يد كلوت بك، بل وأقنع العلماء والطلبة بجواز تشريح الجثث لأغراض علمية.


آثاره العلمية: أدب وفقه وتجديد


كان العطار شاعراً رقيقاً وفقيهاً مدققاً، ومن أبرز مؤلفاته:

 * حاشية العطار على جمع الجوامع: في أصول الفقه، وتعد من أدق الحواشي العلمية.

 * رسائل في الفلك والأسطرلاب: أظهرت تبحره في العلوم الكونية.

 * ديوان العطار: الذي جمع فيه أشعاره التي تميزت بالعذوبة والرقة.

 * منظومات في النحو والمنطق: لتبسيط العلوم للطلاب.


وفاته وإرثه: "تغيرت الديار"


توفي الإمام حسن العطار في عام 1250 هـ (1835 م). كانت كلماته الأخيرة تعكس قلقه على حال الأمة وشغفه بالتغيير، حيث كان يردد دائماً: "إن بلادنا لابد أن تتغير أحوالها، ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها".

لم يكن العطار مجرد شيخ للأزهـر، بل كان "المهندس الروحي" لنهضة مصر الحديثة. بسببه، كف الأزهر عن أن يكون مجرد مدرسة للفقه، ليصبح منبعاً للقادة والمفكرين الذين قادوا حركة التنوير في الشرق العربي كله.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات