بقلم/نشأت البسيوني
يمر الإنسان بسنوات يظن فيها أن الندوب التي تركتها التجارب ما هي إلا علامات ضعف أماكن انكسر فيها القلب أو سقط فيها الحلم أو خانته فيها الحياة لكنه لا يدرك أن هذه الندوب ليست عيوبا بل شفرات مخفية تحمل في داخلها قوة لا تتكشف إلا حين يصل إلى لحظة معينة لحظة يرى فيها نفسه بصدق للمرة الأولى دون شروط دون مقارنة دون خوف في البداية يحاول الإنسان إخفاء ندوبه
يتظاهر بأنها غير موجودة يبتسم رغم الألم يتجاهل الحقائق التي أنهكته يتداخل مع الحياة كأنه بخير لكن داخله يحمل أثقالا لا يراها أحد ومع كل محاولة للهرب تنمو هذه الندوب بصمت تكبر لكنها لا تضعفه بل تهيئه لمرحلة لم يكن مستعداً لها ثم تأتي تلك اللحظة التي يتغير فيها كل شيء لحظة يشعر فيها الإنسان بأن ما كان يؤلمه لم يعد يوجعه بنفس الحدة وأن الأماكن التي انكسرت بداخله
أصبحت أصلب وأن الكلمات التي كان يهرب منها صار يسمعها بثبات وأن المواقف التي كان يتجنبها صار يواجهها بلا ارتباك وكأن الندوب التي تشققت داخله تحولت إلى جدران يقف عليها بثبات أكبر ومع الوقت يبدأ يرى قيمة ما مر به يرى أن الخذلان علمه ألا يسلم قلبه بسهولة وأن الفقد علمه ألا يعتمد على ما يمكن أن يتبدد وأن الغياب علمه معنى الحضور الحقيقي وأن الوجع الذي ظن أنه
سيقتله هو السبب الذي جعله يعرف نفسه أكثر يفهم احتياجاته وحدوده وطاقته وما يستحقه وما يجب أن يبتعد عنه وتتحول هذه الندوب إلى دليل بعد أن كانت ألما دليل على أنه نجا على أنه قاوم على أنه تعلم على أنه يستطيع النهوض مهما كانت الضربة موجعة وعلى أنه أقوى بكثير مما كان يعتقد ومع كل وعي جديد يولد داخله يصبح الإنسان أكثر رحمة بنفسه وأكثر شجاعة في
اختياراته وأكثر وضوحا مع ما يريده من الحياة يدرك الإنسان أن ندوبه لم تكن تشوهه بل كانت تعيده تشكيله وأنها لم تكن دليل ضعف بل دليل حياة وأنها لم تكن سبب سقوطه بل كانت سبب الوقوف من جديد وأن كل علامة تركتها الأيام على قلبه كانت هدية قاسية لكنها صادقة جعلته يصل إلى النسخة التي لم يكن سيصل إليها لو أن حياته كانت خالية من الألم

تعليقات
إرسال تعليق