كتب/ شعبان الأزهري
في عالمٍ تزداد فيه الجدران عُلواً، وتتعمق فيه الفجوات بين الأغنياء والفقراء، وبين الشرق والغرب، يأتي شهر رمضان ليكون "المعادل العالمي الكبير". إنه ليس مجرد طقس ديني يُمارس في زوايا المساجد، بل هو إعلان إنساني وتعبدّي عن "وحدة الشعور"؛ تلك الحالة التي تذوب فيها الفوارق الطبقية، وتتلاشى أمامها الحدود الجغرافية، ليتحد الملايين في تجربة وجودية واحدة.
الصيام كمعادل طبقي: جوعُ الأغنياء وكرامة الفقراء
الطبقية هي نتاج اختلاف "التجارب المعيشية"، لكن رمضان يفرض "تجربة موحدة" قسراً وبحب. حين يمتنع الغني الذي يملك أطايب الطعام عن لقمته، فإنه لا يمارس طقساً ميكانيكياً، بل هو يغادر برج عاجي ليدخل في "مختبر الألم" الذي يعيشه الفقير يومياً.
* تحويل العطف إلى مشاركة: في غير رمضان، قد "يعطف" الغني على الفقير من بعيد، لكن في رمضان هو "يشاركه" الشعور. هذا الانتقال من الشفقة النظرية إلى المعاناة العملية هو ما يبني جسر التراحم الحقيقي.
* كسر هيبة المادة: الصيام يعلّم الجميع أن القيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يملك، بل في قدرته على التحكم فيما يملك. الكل أمام نداء "الله أكبر" عند المغرب سواسية، ينتظرون الرزق ذاته بلهفة واحدة.
عابر للحدود: جغرافيا الروح الواحدة
بينما تضع السياسة حدوداً، وتفرض القوميات لغاتٍ مختلفة، يأتي رمضان ليرسم "خارطة روحية" عابرة للقارات.
* توقيت كوني: في نفس اللحظة التي يرفع فيها صائم في "أندونيسيا" يده للدعاء قبيل الإفطار، يكون هناك صائم في "المغرب" يبدأ يومه بالنيّة، وصائم في "لندن" يواجه برد الشمال بصبر الصيام. هذا الإيقاع الزمني الموحد يخلق "نبضاً كونياً" يربط المليارات بخيط خفي لا تدركه الأبصار.
* لغة الجوع والعطش: الجوع لا يحتاج إلى مترجم، والعطش لا هوية له. إن توحيد الألم الجسدي (الجوع) واللذة الروحية (الإفطار) يصهر الفوارق العرقية، ليصبح المسلم في مكة يشعر بوجع أخيه في أقاصي الأرض، لا لقرابة دم، بل لقرابة "شعور".
جسر التكافل: من "الأنا" إلى "نحن"
وحدة الشعور في رمضان تتجلى في أبهى صورها من خلال "ديمقراطية العطاء". الجسور التي يُبنيها الصيام تتجسد في:
* زكاة الفطر: هي ضريبة "النفس" وليست ضريبة "المال" فقط، تُدفع لتضمن ألا يبقى جائع في يوم العيد، وهي جسر ممدود من كفاية القانع إلى حاجة المعوز.
* موائد الرحمن: تلك المساحات التي يلتقي فيها عابر السبيل بالتاجر، واللاجئ بالمواطن، حيث تسقط الألقاب وتذوب الهويات الفرعية لصالح هوية واحدة: "الإنسان الصائم".
أثر وحدة الشعور في السلم المجتمعي
عندما يشعر أفراد المجتمع بـ "وحدانية المصير" ووحدانية التجربة، تقل حدة الصراعات. الصيام يزرع في النفوس أننا "شركاء في المعاناة، شركاء في العبادة، وشركاء في الجزاء". هذا الشعور هو الضمانة الحقيقية للسلم الاجتماعي؛ فمن ذاق ألم الجوع اختياراً، سيصعب عليه أن يرى غيره يتألم جوعاً اضطراراً.
إن رمضان يثبت للعالم كل عام أن البشرية يمكن أن تجتمع على قلب رجل واحد، وأن الجوع الذي نختاره لله هو أقوى رابطة تجمعنا ببعضنا البعض. الصيام ليس انقطاعاً عن الطعام، بل هو اتصالٌ بالبشرية في أصفى صورها .

تعليقات
إرسال تعليق