القلب السليم: جوهر النجاة في زمن الفتن
كتب /شعبان الأزهري
في يوم القيامة، حيث لا تنفع الأموال المكدسة ولا القبائل الممتدة، يقف البشر أمام ميزان إلهي لا يزن الأجساد ولا الصور، بل يزن ما استقر في الصدور. لقد لخص القرآن الكريم معيار النجاة الأوحد في آية جامعة: ((إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)). فما هو هذا القلب؟ وكيف نحافظ على سلامته في عالم يضج بالصراعات والمشتتات؟
ما هو القلب السليم؟
القلب السليم، كما عرفه ابن القيم وغيره من العلماء، هو القلب الذي سلم من كل شهوة تخالف أمر الله، ومن كل شبهة تعارض خبره. هو القلب الذي امتلأ بمحبة الله، فصار يرجو ما عنده ويخشى عذابه، وسلم من الغل والحقد والحسد تجاه الخلق.
إنه باختصار: القلب الذي خلصت عبوديته لله وحده.
علامات سلامة القلب
كيف تعرف أن قلبك يسير في طريق السلامة؟ إليك بعض المؤشرات:
* عمارة الذكر: أن يجد القلب راحته وأنسه في ذكر الله والاتصال به، كما قال تعالى: ((أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ)).
* سلامة الصدر تجاه المسلمين: ألا يحمل القلب غلاً أو حقداً، بل يتمنى الخير للآخرين كما يتمناه لنفسه.
* تذوق حلاوة الطاعة: أن تصبح العبادة عنده لذة يطلبها، لا ثقلاً يؤديه ليرتاح منه.
* الوجل من الذنب: أن يرى الذنب الصغير كأنه جبل يكاد يسقط عليه، فيسارع للتوبة والاستغفار.
مفسدات القلوب في العصر الحديث
نحن نعيش في زمن "السيولة الفكرية" والانفتاح المعلوماتي، مما عرض القلوب لآفات معاصرة تفتك بسلامتها، ومنها:
* مرض المقارنة: كثرة النظر إلى حياة الآخرين عبر الشاشات، مما يولد السخط على القدر ويقتل "الرضا".
* كشف الستر: تتبع عورات الناس وزلاتهم، وهو ما يملأ القلب بقسوة غريبة.
* التعلق بالماديات: أن يصبح المال أو الشهرة هما المحرك الأساسي للأفعال، مما يزاحم مكانة الله في القلب.
* كثرة اللغو: امتلاء اليوم بالكلام الفارغ والجدل الذي لا طائل منه، مما يورث قسوة القلب وموت الخشوع.
خطوات عملية نحو "القلب السليم"
إن الوصول إلى قلب سليم هو رحلة "جهاد" مستمرة، تتطلب خطوات واضحة:
* أولاً: الإخلاص: جرّد نيتك من الرياء؛ فالعمل الصالح بغير إخلاص كالجسد بلا روح.
* ثانياً: حمية الجوارح: العين أذن القلب؛ فما تراه عينك ينطبع في قلبك. احمِ بصرك وسمعك من الحرام والمثيرات للفتن.
* ثالثاً: تدبر القرآن: القرآن هو "جلاء القلوب"؛ اجعل لك ورداً يومياً ليس للقراءة فقط، بل للتأمل والتطبيق.
* رابعاً: الدعاء بصدق: كان أكثر دعاء النبي ﷺ: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك". فالثبات منحة إلهية تُطلب بالاضطرار.
إن القلب السليم هو أعظم استثمار يقدمه الإنسان لنفسه. إنه المحرك الذي يجعل العبادات سهلة، والبلاء محتملاً، والنهاية سعيدة. في نهاية المطاف، لن يسألنا الله عن حجم ثرواتنا أو عدد متابعينا، بل سينظر إلى ذلك العضو المختبئ بين أضلعنا؛ فهل أعددناه ليكون جديراً بالوقوف بين يديه؟
طهر قلبك، واغسل همومك بدموع التوبة، واعلم أن الله يحب العائدين إليه بقلب خافق بالحب واليقين.

تعليقات
إرسال تعليق