كتب / شعبان الأزهري
بعد فترة من الثبات العلمي والإداري شهدها الأزهر في عهد الشيخ النشرتي، آلت مشيخة الأزهر إلى علم من أعلام الفقه، وإمامٍ عُرف بالورع الشديد والزهد في الدنيا، وهو الإمام عبد الباقي القليني، ليصبح الشيخ الرابع في ترتيب مشايخ الجامع الأزهر، ويتولى المنصب في عام 1120 هـ (1709 م).
من "قلين" إلى منارة العلم
ولد الشيخ عبد الباقي بن محمد القليني في بلدة "قلين" بمحافظة كفر الشيخ. نشأ في كنف أسرة ريفية صالحة، وحفظ القرآن الكريم قبل أن يشد الرحال إلى القاهرة، وتحديداً إلى الجامع الأزهر، الذي كان حينها يموج بكبار العلماء والدارسين من كل بقاع الأرض.
تخصص القليني في الفقه المالكي، وتتلمذ على يد قامات كبرى، من أبرزهم الشيخ محمد الخراشي (أول شيوخ الأزهر)، والشيخ إبراهيم البرماوي. هذا التكوين العلمي المتين جعله من أبرز فقهاء المالكية في عصره، وأهّله ليكون مرجعاً للطلاب والعلماء على حد سواء.
ملامح مشيخته: العلم في خدمة العبادة
لم يطل مقام الشيخ القليني في مشيخة الأزهر طويلاً مقارنة بغيره، لكن فترته اتسمت بوقار خاص، ومن أبرز ملامح عهده:
* الانقطاع للعلم والتدريس: عُرف عن الشيخ القليني أنه لم تغيره المناصب؛ فقد ظل مرابطاً في حلقاته العلمية، يدرس أصول الفقه وفروعه، وكان يميل في أسلوبه إلى الورع والتدقيق الشديد في الفتوى، مخافة الوقوع في الخطأ.
* التواضع والزهد: ذكر المؤرخون أن الشيخ كان نموذجاً للعالم الزاهد، يبتعد عن مجالس الأمراء والحكام إلا لضرورة أو لنصرة مظلوم، مفضلاً الجلوس مع طلابه ومجاوري الأزهر.
* الحفاظ على التقاليد الأزهرية: استمر في نهج أسلافه في تنظيم الأروقة وضمان وصول الحقوق لطلاب العلم الوافدين، مما حافظ على استقرار الأزهر في فترة كانت تشهد تقلبات سياسية في السلطة العثمانية.
مؤلفاته وأثره العلمي
رغم أن حياة الشيخ كانت موجهة بشكل أكبر نحو التدريس والتربية الروحية، إلا أن أثره ظل باقياً في تلاميذه الذين صاروا علماء يُشار إليهم بالبنان. وقد ترك بعض التعليقات والحواشي الفقهية التي تعكس تمكنه من المذهب المالكي وقدرته على استنباط الأحكام.
رحيل الإمام
انتقل الشيخ عبد الباقي القليني إلى رحمة الله في عام 1121 هـ، بعد عام واحد تقريباً من توليه المشيخة. ورغم قصر الفترة، إلا أنه ترك انطباعاً عميقاً بروحانيته وزهده، وأثبت أن مشيخة الأزهر ليست مجرد منصب إداري، بل هي مقام روحي وعلمي يتطلب درجة عالية من الصفاء والتقوى.
لقد كان الشيخ القليني جسراً بين الرعيل الأول من المشايخ وبين من جاء بعدهم، حافظاً للأمانة، ومتمسكاً بقيم الأزهر التي تضع العلم والعمل في كفة واحدة.

تعليقات
إرسال تعليق