كتب/ شعبان الأزهري
إذا كان الشيخ الخراشي قد وضع حجر الأساس لمنصب مشيخة الأزهر، فإن الإمام إبراهيم بن محمد بن شهاب الدين البرماوي هو من رسخ دعائم هذا المنصب وأكد على عالمية الأزهر وتنوعه المذهبي. تولى الشيخ البرماوي المشيخة عام 1101 هـ (1690 م)، ليكون ثاني من حاز لقب "شيخ الجامع الأزهر".
من "برما" إلى أروقة القاهرة
ولد الشيخ البرماوي في قرية "برما" التابعة لمركز طنطا بمحافظة الغربية. نشأ في بيئة ريفية بسيطة، لكن طموحه العلمي قاده إلى القاهرة، قلب العالم الإسلامي آنذاك، ليلتحق بالأزهر الشريف. هناك، انغمس في حلقات العلم، وأظهر نبوغاً فائقاً لفت الأنظار إليه، خاصة في الفقه والشريعة واللغة العربية.
الفقيه الشافعي في منصب المشيخة
من النقاط الجديرة بالذكر في تاريخ الأزهر أن المشيخة لم تكن حكراً على مذهب واحد. فبينما كان الشيخ الخراشي (الأول) مالكياً، جاء الشيخ البرماوي (الثاني) ليمثل المذهب الشافعي. هذا الانتقال المبكر بين المذاهب في منصب المشيخة عكس روح التسامح والتعددية التي قام عليها الأزهر، حيث كان العلم والتقوى هما المعيارين الوحيدين للاختيار.
صفاته ومنهجه في القيادة
عُرف الشيخ البرماوي بصفتين أساسيتين صبغتا فترة مشيخته:
* الزهد الشديد: رغم المكانة الرفيعة التي وصل إليها، ظل الإمام البرماوي يعيش حياة العلماء المتواضعين، مبتعداً عن زخرف الدنيا، مما أكسبه محبة جارفة في قلوب طلابه وعامة الشعب.
* التمكن العلمي: كان يُوصف بأنه "بحر في العلوم"، ولم يكتفِ برئاسة الأزهر إدارياً، بل كان يلقي الدروس بنفسه في أروقة الجامع، ويجيب على فتاوى الناس والطلاب بدقة متناهية.
آثاره العلمية
ترك الشيخ البرماوي مؤلفات قيمة لا تزال تعد مراجع هامة في الفقه الشافعي، منها:
* حاشية البرماوي على شرح غاية الاختصار: وهو من أشهر شروحه الفقهية.
* المواهب اللدنية: شرح فيه أرجوزة فقهية، وأظهر فيه قدرة كبيرة على بسط المسائل المعقدة بأسلوب يسير.
* رسالة في تصريف الأفعال: في علوم اللغة العربية.
وفاته وإرثه
انتقل الإمام البرماوي إلى رحمة الله عام 1106 هـ (1695 م). ورغم أن فترة مشيخته لم تكن طويلة جداً (نحو ست سنوات)، إلا أنها كانت كافية ليثبت أن منصب شيخ الأزهر هو صمام أمان للمجتمع، وأن الشيخ هو المعلم الأول والقائد الروحي الذي لا ينفصل عن هموم الناس.
رحل البرماوي وبقي اسمه مسجلاً في القائمة الذهبية لعلماء مصر، الذين حولوا الأزهر من مجرد جامع للصلاة إلى جامعة عالمية تقود الفكر الإسلامي.

تعليقات
إرسال تعليق