بقلم: مختار أبوالخير|الوطن اليوم – مقال رأي وتحليل
في منشور لفتاة جزائرية عبّرت عن إعجابها بما تعتبره تحولًا لافتًا في مسار الدولة المصرية، كتبت عبارة بدت في ظاهرها صادمة: «السيسي خربها». غير أن المقصود، بحسب سياق رسالتها، ليس اتهام الرئيس عبد الفتاح السيسي بتخريب مصر، بل القول إنه «خرب» حسابات من راهنوا على انهيارها، وأفشل مخططات أرادت إبعادها عن موقعها العربي والإقليمي.
وتنطلق صاحبة الرسالة من موقعها كجزائرية لا ترى نفسها مطالبة بمجاملة الحكومة المصرية أو تبرير سياساتها، لتقول إن تقديرها لمصر مرتبط بما تراه من صمود الدولة، واستمرار مؤسساتها، وسعيها إلى بناء قدرات عسكرية وصناعية أكثر استقلالًا.
مصر بعد سنوات الاضطراب.. دولة اختارت البقاء
تقول الرسالة إن الرئيس عبد الفتاح السيسي تولى المسؤولية في مرحلة شديدة التعقيد، أعقبت ثورتين وتوترات سياسية وانقسامات اجتماعية وضغوطًا اقتصادية وأمنية. وترى أن تلك الظروف كانت كفيلة بإسقاط دول، إلا أن مصر، بفضل ثقلها الشعبي ومؤسساتها الوطنية وجيشها وتاريخها، حافظت على تماسكها.
ومن هذه الزاوية، تفسر الكاتبة تركيز الخطاب الرسمي المصري على دعم القوات المسلحة وتعزيز قدرة الدولة على حماية أمنها القومي. وتستعيد في هذا السياق العبارة الشهيرة: «العفي محدش يقدر ياكل لقمته»، باعتبارها تلخيصًا لفكرة أن قوة الدولة تمنحها مساحة أوسع لحماية قرارها ومصالحها.
لكن الرسالة لا تتجاهل أن هذا المسار كان مكلفًا، وأن المصريين واجهوا خلال السنوات الماضية ارتفاعًا في الأسعار وضغوطًا معيشية وقرارات اقتصادية صعبة. وهي تؤكد أن تقييم هذه السياسات يظل حقًا أصيلًا للمواطن المصري، الذي يلمس نتائجها في حياته اليومية.
من استيراد السلاح إلى توطين التكنولوجيا
التحول الأبرز الذي تتوقف عنده الرسالة يتمثل في الانتقال من شراء المعدات الدفاعية إلى محاولة بناء قاعدة إنتاج وتطوير محلية. فالقضية، بحسب هذا الطرح، لم تعد مرتبطة بعدد الأسلحة التي تشتريها مصر، بل بما تستطيع تصميمه وتصنيعه وتطويره داخل أراضيها.
ويعني توطين الصناعات الدفاعية إعداد مهندس مصري يشارك في التصميم، وعامل مصري يساهم في التصنيع، وخبرات وطنية قادرة على التشغيل والصيانة والتحديث، إلى جانب مؤسسات بحثية ومصانع تستطيع إنتاج منظومات متكاملة أو أجزاء رئيسية منها.
ويشير هذا التوجه إلى أن القوة العسكرية الحديثة لا تُقاس بالصفقات وحدها، بل كذلك بامتلاك المعرفة وسلاسل الإمداد والكوادر الفنية والقدرة على تحديث المنظومات وفق احتياجات الدولة.
معرض EDEX 2025.. واجهة للصناعات الدفاعية المصرية
وتستشهد الرسالة بمعرض الصناعات الدفاعية والعسكرية EDEX 2025، الذي عُرضت خلاله، وفق ما تضمنه المنشور، نماذج من معدات ومنظومات دفاعية وإلكترونية وطائرات غير مأهولة وراجمات صواريخ ومنتجات تحمل طابعًا مصريًا.
وتعتبر الكاتبة أن ظهور هذه المنتجات أمام الوفود والزوار الدوليين يعكس رغبة مصر في تقديم نفسها ليس فقط بوصفها مستوردًا كبيرًا للسلاح، بل دولة تعمل على توسيع إنتاجها الدفاعي وتطوير قدراتها التقنية.
كما تتحدث عن منظومات حملت أسماء مصرية، من بينها «جبار» و«ردع»، وعن مشروعات في مجال الطائرات المسيّرة والأنظمة الذكية. غير أن التفاصيل الفنية المتعلقة بقدرات هذه المنظومات، ومدى دخولها مرحلة الإنتاج الكمي أو الخدمة الفعلية، تحتاج إلى الرجوع إلى البيانات الرسمية والمصادر المتخصصة قبل اعتمادها باعتبارها حقائق نهائية.
الطائرات المسيّرة والحرب الحديثة
ترى الرسالة أن الإعلان عن طائرات مسيّرة جديدة، بما في ذلك نماذج وصفتها بأنها شبحية، يعكس تغيرًا في طريقة التفكير العسكري المصري. فالحروب الحديثة باتت تعتمد بدرجة متزايدة على الطائرات غير المأهولة، والاستطلاع الإلكتروني، والذكاء الاصطناعي، والضربات الدقيقة، وربط مختلف المنظومات في شبكة قيادة وسيطرة واحدة.
ومن ثم، فإن دخول مصر بقوة أكبر إلى هذا المجال، سواء عبر التطوير المحلي أو الشراكات ونقل التكنولوجيا، قد يفتح أمامها فرصًا جديدة في التدريب والتصنيع والتصدير، شرط استمرار الاستثمار في البحث العلمي والاختبارات والكوادر المتخصصة.
«آمون» و«ردع 300».. بين الطموح العسكري وضرورة التحقق
تضمنت الرسالة ادعاءات واسعة حول تفوق منظومة «آمون» المصرية على منظومات دفاعية أخرى، وقدرتها على اعتراض جميع الصواريخ الإيرانية التي استهدفت دولًا خليجية، كما أشارت إلى صاروخ حمل اسم «ردع 300» وأثار، بحسب المنشور، مخاوف إسرائيلية.
ومن الناحية الصحفية، لا يمكن الجزم بهذه النتائج أو نسب مواقف إلى دول أو صحف من دون وثائق رسمية وتقارير عسكرية مستقلة قابلة للتحقق. كما أن المقارنة بين منظومات الدفاع الجوي لا تعتمد على سعر الصاروخ وحده، بل تشمل الرادارات، ونطاق التغطية، ونظم القيادة والسيطرة، ونوع الهدف، وظروف الاشتباك، ومعدل الاعتراض، والتكلفة التشغيلية الكاملة.
لذلك، فإن الأهم في هذه الإشارات ليس تكرار أرقام غير موثقة، بل التوقف عند الاتجاه العام: مصر تسعى إلى امتلاك قدرة دفاعية أكثر استقلالًا، وتعمل على تطوير حضورها في سوق الصناعات العسكرية.
هل تتحول مصر إلى دولة مصدّرة للسلاح؟
تقول الرسالة إن صناعة الدفاع لا توفر لمصر أدوات حماية فحسب، بل قد تتحول مستقبلًا إلى مصدر دخل وفرص عمل واستثمارات. فكلما ارتفعت نسبة المكوّن المحلي، تراجعت الحاجة إلى إنفاق جزء من العملة الصعبة على الاستيراد، وأصبح بالإمكان تسويق منتجات أو خدمات دفاعية لدول أخرى وفق القوانين والاتفاقيات المنظمة لذلك.
وتشير الكاتبة إلى اهتمام دول عربية، من بينها العراق وعُمان والبحرين وقطر، بمنظومات مصرية، لكنها لا تقدم في النص وثائق أو بيانات تعاقدية تفصيلية. وبناءً عليه، تبقى هذه النقطة في إطار ما جرى تداوله، وتحتاج إلى تأكيد من الجهات الرسمية أو الشركات المنتجة.
ومع ذلك، فإن بناء صناعة دفاعية حقيقية يظل مشروعًا طويل الأجل، لا تظهر ثماره خلال عام أو عامين. فهو يتطلب تمويلًا مستمرًا، وتعليمًا فنيًا متقدمًا، ومراكز أبحاث، واختبارات دقيقة، ومصانع مؤهلة، وشراكات دولية، وسوقًا قادرة على استيعاب المنتج وتطويره.
الأمن أولًا.. ثم الاقتصاد
تضع الرسالة الأمن والأمان في مقدمة ما تعتبره نتائج لمسار الدولة المصرية خلال السنوات الماضية. فأن يعيش المواطن في بلد مستقر، وأن يذهب إلى عمله ويدرس أبناؤه في بيئة آمنة، ليست أمورًا هامشية، بل شروط أساسية لأي تنمية اقتصادية أو اجتماعية.
وفي المقابل، لا تعني الإشادة بالاستقرار إنكار المعاناة المعيشية أو إلغاء حق المصريين في نقد السياسات العامة. فالدول القوية تحتاج إلى جيش قادر ومؤسسات فعالة، لكنها تحتاج أيضًا إلى اقتصاد منتج، وعدالة اجتماعية، وتحسين مستمر للخدمات، وحماية القدرة الشرائية للمواطن.
وهنا تكمن المعادلة الأصعب: تحويل الإنفاق على الأمن والدفاع إلى قيمة وطنية أوسع، عبر ربط الصناعات العسكرية بالتكنولوجيا المدنية، وتطوير التعليم والبحث العلمي، وخلق وظائف نوعية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على التصدير.
مصر القوية.. سند للجزائر والعرب
من منظور جزائري، ترى صاحبة الرسالة أن قوة مصر لا تتوقف نتائجها عند حدودها. فمصر، بما تملكه من موقع جغرافي وثقل سكاني وقدرات عسكرية وخبرة تاريخية، تمثل عنصرًا مهمًا في معادلة الأمن العربي والإفريقي.
وتستعيد الكاتبة وعد «مسافة السكة» بوصفه تعبيرًا عن استعداد مصر للوقوف إلى جانب أشقائها عند تعرض أمنهم للخطر، مع التأكيد أن هذا الدور لا ينبغي أن يُفهم باعتباره بديلًا عن بناء الدول لقدراتها الذاتية، بل جزءًا من تعاون عربي يحفظ المصالح المشتركة ويمنع الفوضى.
«خربها» على من راهنوا على سقوط مصر
في ختام رسالتها، تعود الفتاة الجزائرية إلى عبارتها المثيرة: «السيسي خربها». وتشرح أن المقصود هو إفشال رهانات من أرادوا لمصر أن تنقسم أو تضعف أو تظل رهينة لاستيراد السلاح، لا تملك قرارها الدفاعي أو التقني.
وقد يختلف المصريون حول تقييم مرحلة كاملة من تاريخ بلادهم، وهذا طبيعي في أي مجتمع. لكن المؤكد أن مصر ما زالت دولة محورية، وأن ملف قوتها العسكرية والصناعية سيظل موضوعًا حاضرًا في النقاش المصري والعربي، خصوصًا مع تسارع التغيرات في المنطقة وتبدل طبيعة الحروب والتهديدات.
الخلاصة: الصبر وحده لا يكفي.. والنتائج تحتاج إلى توثيق
تقدم الرسالة الجزائرية قراءة عاطفية مؤيدة لمسار بناء القوة المصرية، وتلخصها في فكرتين: الأمن والأمان أولًا، ثم اقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج والتصدير. وهي قراءة تستحق النقاش، لكنها لا تعفي من ضرورة التحقق من الأرقام والصفقات والقدرات الفنية قبل نشرها كحقائق قاطعة.
فمصر لا تزال تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، كما أن بناء صناعة دفاعية متقدمة يحتاج إلى أعوام من العمل والاختبار والتطوير. وإذا نجحت القاهرة في تعميق التصنيع المحلي، وتحويل المعرفة العسكرية إلى قاعدة تكنولوجية واقتصادية أوسع، فقد تكون السنوات المقبلة أكثر قدرة على إظهار ثمار هذا المسار.
أما مصر، فتظل في وجدان كثير من العرب دولة محورية وقوة لا غنى عنها في المنطقة. وقوة مصر، حين تقترن بالاستقرار والتنمية واحترام حق المواطن في النقد والمشاركة، يمكن أن تكون سندًا للمصريين ولأشقائهم العرب، من الجزائر إلى الخليج.

تعليقات
إرسال تعليق