كتب / شعبان الأزهري
لم يهدف النبي صلى الله عليه وسلم من خلال إبلاغ الرسالة إلى بناء مجتمع يُلغي عقله ويتبع الأوامر اتباعاً أعمى دون فهمٍ أو تدبر، بل حرص كل الحرص على تأسيس عقلية نقّادة، مفكرة، وقادرة على الاجتهاد واستنباط الأحكام.
لقد تحول الصحابة تحت توجيهه من مُتلقين للنصوص إلى شركاء فاعلين في فهم الموقف وتحليل البيئة، وتطبيق مقاصد الشريعة.
كانت المدرسة النبوية ترتكز على رؤية مؤداها أن العقل البشري هو أداة التكليف الأولى، وأن تدريبه على النظر والتفكر والاجتهاد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم هو الضمان الوحيد لاستمرار الرسالة وصلاحيتها لكل زمان ومكان بعد انقطاع الوحي.
أولاً: أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في بناء العقلية النقدية
العقلية النقدية لا تعني الشك لمجرد الشك، بل تعني التثبت، واستيضاح الدليل، وفهم علل الأحكام، وعدم التسليم للشائعات أو الأفكار المسبقة.
1- فتح باب الاستفسار والمناقشة دون حرج
لم يضِق النبي صلى الله عليه وسلم ذرعاً بأسئلة أصحابه النقدية التي تستفسر عن أسباب التشريع أو تتأكد من طبيعة الأمر هل هو "وحي" أم "رأي بشر":
موقف الحباب بن المنذر في غزوة بدر: عندما نزل النبي صلى الله عليه وسلم في مكان معين، سأله الحباب: "يا رسول الله، أَرَأَيْتَ هَذَا الْمَنْزِلَ، أَمَنْزِلاً أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَعَدَّاهُ، أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟"، فلما أخبره بأنه الرأي والحرب، اقترح الحباب مكاناً أفضل، فاستجاب له النبي صلى الله عليه وسلم فوراً.
هذا السؤال أرسى أصل التمييز بين التشريع الإلهي اللازم وبين الاجتهاد البشري القابل للنقد والتعديل.
استفسار عائشة رضي الله عنها: كانت لا تسمع شيئاً لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه، حتى إنها نازعت النبي صلى الله عليه وسلم في حديث: «مَنْ حُوسِبَ عُذِّبَ»، فقالت: أليس يقول الله: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ فبين لها أن ذلك العرض وليس المناقشة،فلم ينكر عليها مراجعتها واستدلالها بالقرآن.
2- التربية على التثبت والتحري (رفض التبعية والتقليد)
حذر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من إغلاق عقولهم وربط مواقفهم بالآخرين حذواً كحذو القذة بالقذة، فقال: «لاَ تَكُونُوا إِمَّعَةً، تَقُولُونَ: إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا، وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ، إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا، وَإِنْ أَسَاءُوا فَلاَ تَظْلِمُوا».
هذا التوجيه أوجد لدى الصحابة استقلالية فكرية وقدرة على محاكمة الأفعال والمواقف بجهد ذاتي.
ثانياً: أساليب النبي صلى الله عليه وسلم في تدريب الصحابة على الاجتهاد
لم يكتفِ النبي صلى الله عليه وسلم بالبناء الفكري، بل نقل الصحابة إلى الممارسة العملية للعملية الإجتهادية عبر وسائل ومواقف منها :
1- الاختبار والتدريب الميداني (حديث معاذ بن جبل)
يعد إرسال معاذ بن جبل إلى اليمن الدستور الأبرز لتعليم الاجتهاد؛ حيث سأله النبي صلى الله عليه وسلم:
"بِمَ تَقْضِي؟" قال: بكتاب الله. قال: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟" قال: بسنة رسول الله. قال: "فَإِنْ لَمْ تَجِدْ؟" قال: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلاَ آلُو (أي لا أَقْصُرُ)،فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم صدره وقال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ».
هذا الإقرار النبوي لم يكتفِ بتشجيع الاجتهاد عند غياب النص المباشر، بل أرسى ترتيب المصادر الشرعية وآلية النظر فيها.
2- إقرار المنهجيات المختلفة وتنوع الأفهام (حادثة بني قريظة)
عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «لاَ يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ العَصْرَ إِلاَّ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»، وأدركتهم الصلاة في الطريق:
الفريق الأول: أخذ بظاهر اللفظ وأخّر الصلاة حتى وصلوا بني قريظة بعد غروب الشمس.
الفريق الثاني: فهم المقصد (وهو الإسراع)، فصلوا في الطريق قبل غروب الشمس.
عندما رُفع الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، لم يُعَنِّفْ أحداً منهما.
هذا الموقف أسس لمدرسة "الظاهرية/النصوصية" ومدرسة "المقاصد/الرأي"، وأعطى شرعية علمية لاختلاف الأفهام واجتهادات العلماء طالما صدرت عن حسن قصد ونظر صحيح.
3- إتاحة فرصة الاجتهاد في حضرته صلى الله عليه وسلم
كان النبي صلى الله عليه وسلم يوجه أصحابه للحكم في بعض القضايا وأمامه لتصحيح مسار اجتهادهم عمليةً؛ كما فعل مع عمرو بن العاص حين أمره أن يقضي بين رجلين، فقال عمرو: "أَأَجْتَهِدُ وَأَنْتَ حَاضِرٌ؟"، فقال: «نَعَمْ، إِنْ أَصَبْتَ فَلَكَ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأْتَ فَلَكَ أَجْرٌ».
هذه المقولة كانت كفيلة بكسر حاجز الخوف من الخطأ لدى المجتهد، وتحويل "الخطأ الإجتهادي" إلى عمل مأجور لا يستوجب الإثم.
ثالثا: الثمار الفكرية لتأسيس العقلية الاجتهادية
أثمر هذا التدريب النبوي مكاسب حاسمة ظهرت مباشرة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وانقطاع الوحي:
قدرة الأمة على مواجهة النوازل:
استطاع أبو بكر وعمر والصحابة إدارة الأزمات الكبرى كاختيار الخليفة، وجمع القرآن، وحرب المرتدين، وفتوح البلدان وتنظيم الخراج، بناءً على مقاصد الشريعة وقواعد الاجتهاد التي تعلموها.
استقلالية الفكر الفقهي:
نشأت مدارس الفقه المبكرة (مدرسة أهل الحديث في المدينة ومدرسة أهل الرأي في الكوفة) نتيجة للتنوع الذي غرزه النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه.
المرونة والتعايش مع المستجدات:
أصبح لدى الأمة مرونة تشريعية جعلت الفقه الإسلامي صالحاً للتمدد والاستجابة لكل الحضارات والمجتمعات التي دخلها المسلمون.
لقد بنى النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه عقولاً متأملة ومجتهدة تُحسن استقراء النصوص وإسقاطها ع
لى الواقع، ليظل الدين حياً وقادراً على العطاء الفكري في كل العصور.

تعليقات
إرسال تعليق