رحيل الفيلسوف المبتسم.. في وداع الأستاذ الدكتور ياسر قنصوة
بقلم: محمد عبدالعزيز سعفان
ترحل الأجساد وتبقى السيرة العطرة تضيء عقول التلامذة والباحثين، هكذا هو المشهد اليوم ونحن نودع قامة فكرية استثنائية ونبأً أكاديمياً رفيعاً، الأستاذ الدكتور ياسر قنصوة، الأستاذ المتفرغ للفلسفة السياسية والمعاصرة بكلية الآداب جامعة طنطا. لم يكن الراحل مجرد أستاذ جامعي يلقي محاضراته ويمضي، بل كان أباً روحياً وموجهاً، ترك بصمة لا تُمحى في نفوس كل من درسوا على يديه، وكنتُ أنا شخصياً واحداً من هؤلاء الذين تشرفوا بنهل العلم من نبعه الفياض.أول ما يقابلك في الدكتور ياسر قنصوة، وقبل أن تستمع إلى عمق أطروحاته السياسية والفلسفية، هي تلك الابتسامة الصافية التي لم تكن تفارق وجهه قط. كانت ابتسامته مفتاحاً لقلوب طلابه، يذيب بها رهبة المدرجات ويبث في النفوس الطمأنينة والمحبة، فاستحق أن يكون الشخصية الفلسفية الأكثر قرباً وحباً من الجميع.مسيرة الراحل الأكاديمية كانت نموذجاً للاجتهاد والشغف الفكري؛ منذ تخرجه عام 1984 بتقدير "جيد جداً"، خط لنفسه طريقاً متميزاً في الفلسفة الحديثة والمعاصرة. فغاص في فلسفة الفكر الغربي المعاصر، مقدماً في الماجستير عام 1991 تشريحاً عميقاً لـ"مفهوم الليبرالية عند جون ديوي"، ومتبعاً إياه ببحث دكتوراه رفيع المستوى عام 1995 حول "مفهوم الحرية عند فريدريك هايك".ولم يكن غريباً أن تتوج الدولة المصرية جهوده وعطاءه بجائزة الدولة في العلوم الاجتماعية عام 2023؛ فمؤلفاته لم تكن مجرد حبر على ورق، بل كانت اشتباكاً حقيقياً مع الواقع وتحدياته. فقد أثرى المكتبة العربية بأعمال رصينة مثل "الليبرالية إشكالية مفهوم"، "محنة الإسلام السياسي"، و"الأمن الإنساني والإسلام السياسي"، وصولاً إلى كتاباته المبتكرة التي تبسط الفلسفة وتربطها بالواقع اليومي والرياضي مثل كتاب "عالم مو... عندما يركل الفلاسفة الكرة".اليوم، تفتح دار الشبان المسلمين بطنطا أبوابها بعد صلاة المغرب لتلقي العزاء في هذا الجسد الراحل، لكن فكر ياسر قنصوة سيبقى حياً في أروقة جامعة طنطا، وفي سطور كتبه، وفي قلوب وعقول آلاف الطلاب الذين تعلموا منه كيف يفكرون بحرية، وكيف يبتسمون في وجه الحياة.خالص العزاء لأسرة الفقيد الراحل وتلامذته ومحبيه، ونسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، ويلهمنا جميعاً الصبر والسلوان..

تعليقات
إرسال تعليق