**الوطن اليوم ـ حصري | بقلم: مختار أبوالخير**
في خضمّ تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، وقف رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف على خط النار الدبلوماسي، يحاول بكل حنكة وصبر أن يطفئ فتيل أزمة قد تشعل المنطقة بأكملها. لم تكن المهمة سهلة أمام ماكينة التصريحات المتقلبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي يمزج بين فن الصفقة وفن المفاجأة، لكن شريف أدرك جيداً أن التعامل مع العقلية الترامبية يتطلب قراءة مختلفة للعبة، لا سيما حين تكون إيران طرفاً أساسياً في المعادلة.
خلال أسبوع حافل بالجولات المكوكية والضغوط الخلفية، استشعر شريف حساسية الموقف بين طهران وواشنطن، فاختار أن يقدم مبادرة "الهدنة" وكأنها مطلب باكستاني خالص، في مناورة دبلوماسية ذكية تهدف إلى حفظ ماء وجه الطرفين، ومنع أي منهما من الظهور بمظهر المنسحب أو المتراجع أمام شعوبه.
«الورقة الإيرانية»: بين النص الفارسي والترجمة الأمريكية
في قلب هذا المشهد المعقد، وُلدت ما عُرف بـ"الورقة الإيرانية"، وهي وثيقة حملت في طياتها مطالب طهران الأساسية: "قبول تخصيب اليورانيوم" و"رفع شامل للعقوبات". صيغت المطالب بلغة فارسية دقيقة، لكن ما حدث بعدها كان أقرب إلى سيناريو درامي.
فجأة، خرج البيت الأبيض ليعلن عن "اختلاف" في ترجمة الورقة، وبدأ ترامب في عاصفة من الغضب، موجهاً سهام اتهامه لفريق الإعلام التابع له، وصارخاً: "من ذلك الأحمق الذي روج هذه الورقة بنسختها الفارسية؟". ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل توعد الرئيس الأمريكي شبكة "سي إن إن" بالمساءلة الشخصية، متهماً إياها بنقل معلومات من "محتالين" زعموا أنهم مصادر داخل إدارته.
نتنياهو يشعل الجبهة اللبنانية.. وطهران تُظهر «العين الحمراء»
في توقيت بدا متعمداً لإرباك المشهد، وبعد يوم واحد فقط من تسليم الورقة الإيرانية، أعطى رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إشارة بدء "ساعة الصفر" ضد لبنان، مبرراً حملته العسكرية الموسعة بملاحقة عناصر حزب الله.
لكن الرد الإيراني جاء سريعاً وحاسماً. فأظهرت طهران ما وُصف بـ"العين الحمراء"، محذرة جميع الأطراف من أنها جاهزة لرد عسكري ضخم إذا لم تتوقف العمليات الإسرائيلية ضد لبنان. وهنا، تحولت الأزمة الدبلوماسية إلى ساحة حرب تصريحات علنية.
التناقض الذي هزّ العواصم: هل كُذب ترامب على العالم؟
انطلقت شرارة المواجهة اللفظية حين زعم ترامب أن "لبنان لم يكن وارداً في الورقة الإيرانية"، فيما أكدت طهران بكل ثبات أن بنود الوثيقة التي سلمتها للوسيط الباكستاني تشمل بوضوح حماية الجبهة اللبنانية.
وفي هذه اللحظة الحاسمة، خرج شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني الذي سلم الورقة الإيرانية بيده إلى المسؤولين الأمريكيين، عن طور الهدوء الدبلوماسي. فأعلن بوضوح لا يقبل التأويل أن لبنان كان مشمولاً بمبادرة الهدنة، واضعاً ترامب في موقف دولي بالغ الحرج.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن بقوة: هل كان الرئيس الأمريكي يفتقر للمعلومات الدقيقة؟ أم أن هناك محاولة متعمدة لإعادة صياغة الوقائع؟ أم أننا أمام سيناريو "صفقة القرن" الجديد، حيث تكون الحقيقة أول ضحايا التفاوض؟
ما حدث ليس مجرد خلاف على ترجمة نص، بل هو مؤشر خطير على هشاشة الدبلوماسية المعاصرة، حيث تتحول الكلمات إلى أسلحة، وتصبح الورقة الواحدة سبباً في إشعال منطقة بأكملها. وفي ظل هذا المشهد، يبقى العالم يترقب: هل ستنجح وساطة باكستان في امتصاص الغضب المتصاعد؟ أم أن "الورقة الإيرانية" ستكون شرارة لمرحلة جديدة من المواجهات؟
**الوطن اليوم ـ حصري**
**الكاتب السياسي الاستراتيجي: مختار أبوالخير**

تعليقات
إرسال تعليق