القائمة الرئيسية

الصفحات

من ذاق عرف: مفهوم المحبة الإلهية في حياة المسلم

 


كتب/ شعبان الأزهري 


تُعد المحبة الإلهيةهي الغاية القصوى، والذروة الشامخة في مراتب السالكين إلى الله؛ فهي الركن الركين الذي يُبنى عليه صرح الإيمان، والوقود الذي يحرك القلوب نحو الطاعة دون كلل أو مَلل. لقد لخص العارفون هذا المفهوم في عبارة بليغة: "من ذاق عرف، ومن عرف اغترف"؛ فالإيمان ليس مجرد نصوص تُحفظ أو طقوس تُؤدى، بل هو تذوق وجداني لمعنى القرب من الخالق سبحانه وتعالى.


أولاً: ما هي المحبة الإلهية؟


المحبة الإلهية ليست عاطفة عابرة، بل هي انقياد القلب لمحبوبه الأعظم (الله جل جلاله)، وتفضيل ما يحبه الله على ما تحبه النفس. هي حالة من الرضا والطمأنينة تجعل المسلم يرى الجمال في المنع كما يراه في العطاء، لأنه يثق في حكمة المحبوب.

يقول ابن القيم رحمه الله: "المحبة هي حياة القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون.. فمن فاته نصيبه منها فهو من جملة الأموات".


ثانياً: علامات المحبة في حياة المسلم


من يدعي محبة الله لا بد له من برهان، والمحبة الصادقة تظهر آثارها في سلوك المسلم:

 1. إيثار مرضاة الله:أن يقدم العبد أمر الله على هوى نفسه في كل موقف، فالمحب لمن يحب مطيع.

 2. كثرة الذكر:من أحب شيئاً أكثر من ذكره؛ فالمحب لا يفتأ لسانه عن تسبيح الله وتحميده، ويجد في الخلوة مع الله لذة تفوق لذة الاجتماع بالخلق.

 3. حب كلام الله:القرآن الكريم هو رسائل المحبوب، والمحب لا يشبع من قراءة رسائل من يحب وتدبرها.

 4.محبة أولياء الله: أن يحب الإنسان من يحبهم الله من الأنبياء والصالحين، ويبغض ما يبغضه الله من الآثام والمعاصي.


ثالثاً: كيف نصل إلى مرتبة المحبة؟


المحبة منحة إلهية، لكن لها أسباباً تُستجلب بها، ومن أهمها:

 معرفة الله بأسمائه وصفاته: فالقلوب جُبلت على حب الجمال والكمال، والله عز وجل له الكمال المطلق والجمال الذي لا ينتهي. كلما عرف العبد ربه أكثر، أحبه أكثر.

 مطالعة النعم:النظر في آلاء الله وإحسانه المنهمر علينا في كل لغبة ونفس يستثير في القلب حياءً وحباً لهذا المنعم الكريم.

 التقرب بالنوافل:كما جاء في الحديث القدسي: "...وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ".

 انكسار القلب بين يدي الله: التذلل والخضوع في السجود هو أقصر الطرق للوصول إلى محبة الملك الودود.


 رابعاً: أثر المحبة الإلهية على النفس والمجتمع


عندما تذوق الروح طعم المحبة الإلهية، تنعكس هذه التجربة على واقع المسلم:

 السكينة النفسية: تنتهي حالة القلق والتخبط؛ لأن المحب يعلم أن زمام الأمور بيد من يحب، فيرضى بقدَرِه.

 الخلق الحسن:المحب لله يحب خلقه، فيتعامل مع الناس برفق ورحمة، لأنهم صنعة الله ورعيته.

 الهمة العالية: المحبة تحول العبادات الشاقة إلى نزهة للروح؛ فتصبح صلاة الفجر قرة عين، والصدقة غنيمة، والصبر على البلاء رفعة.


 خامساً: من ذاق عرف.. حلاوة الإيمان


الحلاوة التي يجدها المؤمن في قلبه ليست شعوراً مادياً، بل هي نور يقذفه الله في القلب. هي التي جعلت "بلالاً" يتحمل صخرة الرمضاء وهو يقول "أحدٌ أحد"، وهي التي جعلت "آسية" تبتسم وهي تحت التعذيب لأنها رأت مقعدها في الجنة. إنها الكيمياء التي تحول الألم إلى أمل، والضيق إلى سعة.


إن المحبة الإلهية هي الروح التي تحيي جسد الأعمال؛ فعمل بلا حب هو جسد بلا روح. فاجعل شعارك في الحياة: "فليتك تحلو والحياة مريرة.. وليتك ترضى والأنام غضاب". فإذا نال العبد محبة الله، فقد نال كل شيء، ومن فاتته هذه المحبة، فماذا وجد؟

نسأل الله أن يرزقنا حبه، وحب من يحبه، وحب كل عمل يقربنا إلى حبه.

أنت الان في اول موضوع

تعليقات