القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ محمد الجيزاوي: الإمام الورع ومؤسس "النهضة الجامعية" للأزهر

 



كتب/ شعبان الأزهري 


بعد رحيل الإمام سليم البشري، وفي ظل ظروف سياسية واجتماعية بالغة التعقيد مرت بها مصر، تولى سدة مشيخة الأزهر الشريف في عام 1335 هـ (1917 م) عالم من طراز فريد، وهو الإمام محمد بن أحمد بن كساب الجيزاوي. يُعد الشيخ الجيزاوي الإمام الثالث والعشرين في سلسلة مشايخ الأزهر، والرجل الذي قاد السفينة بهدوء وحكمة خلال ثورة 1919، ممهداً الطريق لتحويل الأزهر إلى جامعة عصرية.


النشأة: من "وراق العرب" إلى ريادة المذهب المالكي


ولد الشيخ الجيزاوي في قرية "وراق العرب" التابعة لمحافظة الجيزة عام 1264 هـ (1848 م). نشأ في أسرة ريفية بسيطة، وحفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية قبل أن ينتقل إلى الجامع الأزهر ليتم دراسته.

كان الجيزاوي مالكي المذهب، وتتلمذ على يد قامات كبرى مثل الشيخ الإنبابي والشيخ سليم البشري. عُرف عنه الورع الشديد، والدقة في تحصيل العلوم، والتروي في الفتوى، مما جعله محط ثقة أقرانه وشيوخه الذين انتدبوه للتدريس في الأزهر وهو لا يزال شاباً.


ملامح مشيخته: الأزهر في قلب الثورة والتطوير


امتدت مشيخة الجيزاوي لنحو عشر سنوات، عاصر فيها أحداثاً جساماً غيرت وجه التاريخ المصري، ومن أبرز معالم فترته:


الأزهر وثورة 1919: كان الشيخ الجيزاوي هو "الأب الروحي" لعلماء الأزهر الذين شاركوا في ثورة 1919 ضد الاحتلال البريطاني. وبحكمته، استطاع أن يحافظ على دور الأزهر كمنبر وطني دون أن يعرض المؤسسة لخطر التصفية، وكان الجامع الأزهر في عهده ملتقى للوحدة الوطنية (الهلال مع الصليب).

قانون 1923 التاريخي: في عهده صدر قانون جديد للأزهر الشريف، كان بمثابة حجر الزاوية في التحول إلى "الجامعة". نص القانون على إنشاء "هيئة كبار العلماء"، ووضع شروطاً دقيقة لمن يتولى التدريس، ونظم التخصصات العالية في الفقه واللغة وأصول الدين.

رئاسة "المؤتمر الإسلامي العام": في عام 1926، ترأس الشيخ الجيزاوي المؤتمر الإسلامي العام الذي عُقد في القاهرة لمناقشة قضية "الخلافة" بعد سقوطها في تركيا، حيث أظهر حنكة شرعية وسياسية كبيرة في إدارة هذا الملف الشائك.


مواقفه العلمية والوطنية


النزاهة والاستقلال: عُرف عنه وقوفه في وجه السلطة إذا رأى فيها انحرافاً عن الحق. ويُذكر له موقفه الصارم في الدفاع عن كرامة العلماء واستقلال ميزانية الأزهر.

الورع في الفتوى: كان يرفض التسرع في إصدار الأحكام الشرعية في القضايا المستحدثة، ويجمع كبار العلماء للمداولة، مما جعل فتاواه في تلك الفترة مرجعاً رصيناً للقضاء والناس.


آثاره العلمية


رغم انشغاله بإدارة الأزهر في فترة انتقالية حرجة، ترك الشيخ الجيزاوي آثاراً علمية تدل على سعة أفقه، منها:

تقريرات على حاشية الصاوي على الشرح الصغير: في الفقه المالكي.

شروحات وتعليقات على كتب المنطق والتوحيد: كانت تُدرس لطلاب المراحل العالية.

بحوث فقهية في قضايا العصر: نُشرت في مجلة الأزهر (نور الإسلام) حينها.


وفاته ورحيله


انتقل الإمام محمد الجيزاوي إلى رحمة الله في عام 1346 هـ (1927 م). رحل الشيخ الذي عاش عفيف النفس، زاهداً في المناصب، قوياً في الحق، تاركاً وراءه أزهراً أكثر تنظيماً وقدرة على مواكبة العصر.

يُسجل له التاريخ أنه كان "جسر العبور" بين الأزهر التقليدي القديم، والأزهر الجامعي الحديث، حيث بدأت في عهده ملامح "الكليات" التي نراها اليوم.

تعليقات