كتب/ شعبان الأزهري ... الثلاثاء ١٠ مارس ٢٠٢٦
في سجل التاريخ الأزهري الحافل، تبرز أسماء جمعت بين عمق التراث الإسلامي وانفتاح الفكر الإنساني، ومن أبرز هذه القامات الإمام الأكبر محمد عبد الرحمن بيصار، الشيخ الخامس والثلاثون في سلسلة مشايخ الأزهر (تولى المشيخة 1979 - 1982 م). عُرف بلقب "فيلسوف المشيخة" كونه أحد كبار المتخصصين في العقيدة والفلسفة، ومن القلائل الذين خاضوا غمار الفكر الغربي بعين الناقد البصير والفقيه المتمكن.
النشأة: من "السالمية" إلى كيمبردج
ولد الشيخ محمد عبد الرحمن بيصار في قرية "السالمية" بمحافظة كفر الشيخ عام 1328 هـ (1910 م). نشأ في بيئة ريفية محافظة، وحفظ القرآن الكريم ثم التحق بالأزهر الشريف، حيث تخرج في كلية أصول الدين بتفوق لافت.
لم يتوقف طموحه عند حدود الدراسة التقليدية، فاختير ضمن بعثات الأزهر العلمية إلى بريطانيا، حيث التحق بجامعة كيمبردج وحصل منها على درجة الدكتوراه. هذه الرحلة العلمية في معاقل الفكر الغربي منحت الشيخ بيصار قدرة فريدة على صياغة الخطاب الإسلامي بأسلوب فلسفي رصين يجمع بين قوة الحجة العقلية ونقاء العقيدة السلفية.
ملامح مشيخته: "الهدوء والرسانة"
تولى الإمام بيصار المشيخة في فترة انتقالية مهمة بعد رحيل الإمام عبد الحليم محمود، وامتازت فترة إمامته بعدة ملامح:
* ترسيخ المنهج العلمي: كان يؤمن بأن الدفاع عن الدين في العصر الحديث يتطلب تسليح أبناء الأزهر بالفلسفة والمنطق والعلوم الحديثة، ليكون ردّهم على المشككين مبنياً على أسس معرفية متينة.
* الانفتاح العالمي: بفضل إتقانه للغة الإنجليزية وخلفيته العلمية الدولية، ساهم في تمثيل الأزهر في المؤتمرات العالمية بفعالية، فكان همزة وصل قوية بين الشرق والغرب.
* الحفاظ على وقار المؤسسة: اتسمت شخصيته بالهدوء والوقار الشديدين، وكان يرى أن كلمة الأزهر يجب أن تخرج بحكمة واتزان بعيداً عن الصخب، مما أكسبه احترام الجميع داخل مصر وخارجها.
مواقفه العلمية وفلسفته
* التوفيق بين العقل والنقل: كان يرى أن العقل الصريح لا يصادم النقل الصحيح، وقضى معظم حياته العلمية في شرح قضايا العقيدة بأسلوب فلسفي يزيل عنها الغموض ويقربها لطلاب العلم في العصر الحديث.
* مواجهة المذاهب المادية: رد بقوة ومنهجية على التيارات المادية والوجودية التي كانت تكتسح الساحة الثقافية آنذاك، مبيناً تهافت مذهبها أمام شمولية الإسلام وواقعيته.
إرثه الفكري والمؤلفات
ترك الشيخ بيصار للمكتبة العربية والإسلامية مؤلفات قيمة تمتاز بالدقة والعمق، منها:
* العقيدة والأخلاق في الفلسفة الإسلامية: وهو كتاب يربط بين السلوك القويم والأساس العقدي.
* ابن طفيل وموقفه من الفلسفة والدين: دراسة تحليلية معمقة لشخصية فلسفية إسلامية بارزة.
* تأملات في الفلسفة الحديثة والمعاصرة: نقد وتحليل للمناهج الفكرية الغربية.
* في سبيل الحق: مجموعة من المقالات والدراسات التي تدافع عن جوهر الإسلام.
الوفاة والرحيل
انتقل الإمام محمد عبد الرحمن بيصار إلى رحمة الله في عام 1402 هـ (1982 م). رحل الشيخ الهادئ الذي أثبت أن الأزهري يمكنه أن يطوف العالم ويحمل أرقى الشهادات الغربية، ويظل محتفظاً بعمامته وفكره وأصالته.
بقي الشيخ بيصار في ذاكرة طلابه ومحبيه مثالاً لـ "العالم المثقف" الذي أدرك أن قوة الإسلام تكمن في قدرته على الحوار والإقناع العقلي قبل كل شيء.

تعليقات
إرسال تعليق