===========================================================
بقلم: مختار أبوالخير
رئيس فريق التحقيقات الاستراتيجيّة – الوطن اليوم**
===========================================================
في خضم العاصفة الإعلامية التي هزت أركان المنطقة خلال الساعات الماضية، ظهر إلى السطح مقطع فيديو يُوصف بأنه "الأخطر" في الأرشيف السياسي الإيراني الحديث، يجمع بين علي لاريجاني، الأمين العام السابق لمجلس الأمن القومي الإيراني، ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، أحد أكثر العقول السياسية إثارة للجدل في القرن العشرين.
ليس الفيديو مجرد أرشيف منسي، بل هو "خريطة كنز" جيوسياسية أعيد تدويرها في التوقيت الحالي لتكشف عن خبايا رسم حدود الشرق الأوسط، ولتطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا صمدت دول وسقطت أخرى؟ ولماذا تُعتبر مصر وإيران حالة استثنائية في معادلة القوى العالمية؟
في هذا التقرير الحصري لموقع **الوطن اليوم**، نغوص في أعماق هذا الفيديو، نفكك شفراته، ونحلل التداعيات الاستراتيجية لكلام كيسنجر الذي قد يغير فهمنا للصراع الدائر اليوم.
كيسنجر وخريطة الدم: كيف وُلدت دول المنطقة؟
لفهم صدمة الفيديو، يجب أولاً العودة إلى التاريخ. بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وتحديداً مع سقوط الدولة العثمانية، جلست القوى الاستعمارية الكبرى (بريطانيا وفرنسا) لترسم حدود المنطقة بمعزل عن إرادة شعوبها. اتفاقيات مثل "سايكس بيكو" لم تكن مجرد خطوط على الورق، بل كانت عمليات جراحية سياسية فصلت أوصال الأمم، وخلقت كيانات هشة قائمة على الولاءات الطائفية أو العشائرية، لا على الهوية الوطنية الموحدة.
في الفيديو، يروي لاريجاني عن لقاء جمعته بكيسنجر، حيث وضع الدبلوماسي الأمريكي يده على الطاولة ليقول كلمة فصلت بين "الدول المصنوعة" و"الدول المؤسسة". حسب رواية لاريجاني، اعترف كيسنجر بأن معظم دول الشرق الأوسط (كالعراق، وسوريا، والأردن، وفلسطين) هي نتاج إعادة تشكيل ما بعد الحرب، أي أنها "دول وظيفية" وُجدت لخدمة مصالح القوى الكبرى أو لملء الفراغ السياسي.
ولكن، كان هناك استثناء خطير. استثناء لم يمر مرور الكرام في عقلية "الواقعية السياسية" التي يتبنى كيسنجر. الدولتان اللتان لم تخضعا لنفس معيار "التشكيل الخارجي" هما **مصر وإيران**.
لماذا مصر وإيران؟ سر "العمق الحضاري"
السؤال الذي يطرحه الفيديو، ويجيب عليه تحليل "الوطن اليوم"، هو: ما الذي يجمع بين القاهرة وطهران في عقلية صقور واشنطن؟
الإجابة تكمن في مفهوم "الدولة التاريخية". مصر وإيران ليستا مجرد حدود جغرافية وُضعت في القرن العشرين.
* **مصر:** تمتد جذورها لأكثر من 7000 عام من التاريخ المتصل. الدولة المصرية بمفهومها الإداري والسياسي وُجدت قبل الميلاد بقرون طويلة. النيل لم يكن مجرد نهر، بل كان شريان دولة مركزية قادرة على حشد الموارد واتخاذ القرار الموحد.
* **إيران:** بصفتها وريثة الإمبراطوريات الفارسية المتعاقبة (الأخمينية، الساسانية، وغيرها)، تمتلك إيران نسيجاً اجتماعياً وثقافياً متماسكاً يتجاوز الأنظمة السياسية المتعاقبة.
كيسنجر، بدهائه المعروف، أدرك أن التعامل مع "كيان مصطنع" يختلف تماماً عن التعامل مع "أمة حية". الدول المصطنعة يمكن تفكيكها بتغيير نظامها أو رسم حدودها من جديد، أما الدول ذات الجذور الحضارية، فمقاومتها نابعة من هويتها قبل أن تكون نابعة من سلاحها.
لاريجاني: القوة في التاريخ وليس في الصواريخ فقط
التعليق الأبرز في الفيديو يأتي من لاريجاني نفسه، الذي لم يسرد القصة فقط، بل علق عليها برؤية استراتيجية. يؤكد لاريجاني أن من يفكر بعقلية كيسنجر هو من يفهم "تاريخ الأمم"، وليس مجرد "سياسة اللحظات".
هذه النقطة بالذات هي جوهر التحليل الذي يقدمه **الوطن اليوم**. في عصر يظن فيه الكثيرون أن القوة تقاس بعدد الصواريخ البالستية أو حجم الاحتياطي النفطي، يأتي هذا الفيديو ليذكرنا بأن "القوة الناعمة التاريخية" هي الأبقى. الشعوب التي تمتلك سردية تاريخية عميقة، وذاكرة جماعية موحدة، يصعب إخضاعها أو "كسرها" حتى في أحلك الظروف العسكرية.
لاريجاني يشير إلى أن إيران، ومثلها مصر، تمتلكان "مناعة ذاتية" ضد مشاريع إعادة التشكيل الإقليمية. هذه المناعة هي ما يجعل الصراع عليهما أطول وأشرس، لأن الهدف ليس مجرد تغيير نظام حكم، بل محاولة مستحيلة لتغيير هوية شعب.
توقيت نشر الفيديو: رسالة في قلب العاصفة
لماذا يظهر هذا الفيديو بالتحديد الآن؟ هنا يدخل التحليل الإعلامي في المعادلة. إعادة تداول هذا المقطع في توقيت تصاعد التوترات الإقليمية، واستهداف قيادات بارزة، ليس صدفة أبداً.
1. **رسالة ردع نفسي:** الفيديو يهدف إلى تذكير الخصوم بأن المنطقة ليست أرضاً بوراً يمكن إعادة تشكيلها كما حدث في سايكس بيكو. هناك كيانات رسخت جذورها في الأرض.
2. **توحيد الجبهة الداخلية:** للشعوب في مصر وإيران، الرسالة واضحة: أنتم لستم مجرد أرقام في معادلة صراع، أنتم حاملو حضارة، وهذا يولد شعوراً بالفخر والمقاومة.
3. **كشف المستور:** إظهار أن صقور السياسة الأمريكية (ككيسنجر) كانوا يدركون جيداً الفروقات الجوهرية بين دول المنطقة، مما يفند الروايات التي تقول إن الغرب يتعامل مع الجميع بنفس المقياس.
قراءة أعمق: هل نحن أمام نهاية "دول سايكس بيكو"؟
التحليل الاستراتيجي لموقع **الوطن اليوم** يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد فيديو. نحن نعيش مرحلة مفصلية في تاريخ الشرق الأوسط. الضربات المتتالية التي تتعرض لها بعض الكيانات السياسية في المنطقة تؤكد نظرية كيسنجر التي ذكرها لاريجاني.
الدول التي افتقرت إلى "اللحمة الوطنية التاريخية" تجد نفسها أمام تحديات وجودية، بينما الدول ذات العمق (مصر وإيران) رغم كل الضغوط والعقوبات والحروب، تظل واقفة. هذا لا يعني أنها في منأى عن المشاكل، بل يعني أن قدرتها على "الامتصاص" و"الاستيعاب" أكبر بكثير.
كيسنجر كان يرى أن الاستقرار في الشرق الأوسط لا يتحقق إلا بالاعتراف بهذه القوى الإقليمية الكبرى والتعامل معها كأقطاب، وليس كمجرد أوراق في لعبة الشطرنج. تجاهل هذا الواقع التاريخي هو ما أدى إلى الكثير من الكوارث التي نشهدها اليوم من حروب أهلية وكيانات فاشلة.
مصر وإيران.. محور الاستقرار أم بؤرة صراع؟
طوال العقود الماضية، تذبذبت العلاقة بين القاهرة وطهران بين المد والجزر. لكن الفيديو يذكرنا بأن القاسم المشترك بينهما هو "الاستقلال القرار".
* **مصر:** ترفض الوصاية الخارجية على قرارها الوطني، مستندة إلى ثقلها العربي والإفريقي.
* **إيران:** ترفض الهيمنة الغربية، مستندة إلى عمقها الآسيوي والإسلامي.
من منظور جيوسياسي بحت، إذا ما اتفقت هاتان القوتان التاريخيتان على رؤية مشتركة للأمن الإقليمي، فإن ذلك قد يغني عن وجود قواعد عسكرية أجنبية في المنطقة. لكن العكس صحيح؛ فاستمرار الصراع بينهما أو استهدافهما بشكل منفرد يخدم فقط مصالح القوى التي تريد إبقاء المنطقة في حالة من "الفوضى الخلاقة" لتسهيل إعادة التشكيل.
الدرس المستفاد: الهوية هي السلاح الأقوى
ما يمكن استخلاصه من هذا الفيديو الحصري، وتحليل **الوطن اليوم** له، هو أن المعركة الحقيقية في الشرق الأوسط ليست معركة حدود أو نفط، بل هي معركة "هوية".
الدول التي نجحت في الحفاظ على هويتها التاريخية (كمصر وإيران) تمتلك مفاتيح البقاء. أما المحاولات الرامية لطمس هذه الهويات أو استبدالها بهويات طائفية أو عرقية ضيقة، فهي محكوم عليها بالفشل في المدى الطويل، لأنها تحارب "قانون التاريخ".
لاريجاني في الفيديو يبعث برسالة طمأنة لشعبه، وفي نفس الوقت يوجه إنذاراً للخصوم: "نحن هنا ليس لأننا وُجدنا بقرار من مؤتمر سلام، بل لأننا كنا هنا قبل أن تُرسم الخرائط، وسنظل بعد أن تُمحى".
ماذا يعني هذا للمستقبل؟
في ظل التحولات العالمية الحالية، وصعود القوى متعددة الأقطاب، يعود كلام كيسنجر عبر لاريجاني ليشكل مرجعية لفهم المستقبل:
1. **فشل مشاريع التقسيم:** أي محاولة لتقسيم مصر أو إيران إلى دويلات صغيرة مصيرها الفشل، لأن النسيج الاجتماعي أقوى من أي مخطط خارجي.
2. **ضرورة الاعتراف الإقليمي:** لا يمكن بناء أمن إقليمي حقيقي دون الاعتراف بالدور التاريخي والاستراتيجي للدول ذات العمق.
3. **صحوة الوعي:** الشعوب أصبحت أكثر إدراكاً لهذه الحقائق، مما يجعل من الصعب خداعها بشعارات واهية عن "الديمقراطية" التي تأتي على ظهر الدبابات الأجنبية.
خاتمة: الفيديو الذي يقرأ المستقبل
قد يبدو الفيديو قصيراً، لكن حمولته الاستراتيجية ثقيلة جداً. إنه يذكرنا بأن السياسة ليست مجرد أرقام وموازنات، بل هي تاريخ ودماء وذاكرة.
موقع **الوطن اليوم** إذ ينشر هذا التحليل الحصري، يؤكد أن فهم الماضي هو المفتاح الوحيد لفك ألغاز الحاضر. ما قاله كيسنجر قبل عقود، ويذكره لاريجاني اليوم، هو درس للأجيال الجديدة: أن قوة الأمم تكمن في جذورها، وأن أي محاولة لقلع شجرة عمرها آلاف السنين، ستبوء بالفشل، وسيتبقى فقط من حاول القلع.
في النهاية، يبقى الشرق الأوسط مسرحاً للأحداث، لكن اللاعبين الحقيقيين هم من يملكون "التاريخ" في جعبتهم، وليس فقط السلاح في أيديهم. ومصر وإيران، بامتياز، تملكان هذا الإرث الذي لا يُقهر.

تعليقات
إرسال تعليق