كتب/ شعبان الأزهري
تمضي أيام رمضان مسرعة، وكأنها طي السجل، وها نحن نشرف على وداع الشهر الفضيل، وداعاً يمتزج فيه الحنين بدموع الختام. إن رحيل رمضان لشيء عظيم في نفس كل مسلم، لاسيما عند من ذاق حلاوة القرب، وانس بصحبة القرآن، ونال حظاً من القيام. وفي هذا السياق، تشرئب الأعناق وتتطلع القلوب لمعرفة حال السلف الصالح، كيف كانوا يعيشون هذه اللحظات الفاصلة؟ وكيف كانوا يودعون ضيفهم العزيز؟
1. وجل القبول: الخوف من الرد بعد البلوغ
كان السلف الصالح يجتهدون في رمضان غاية الاجتهاد، فإذا أتى آخر الشهر، غلب عليهم الخوف والوجل من عدم القبول. قال بعضهم: "كانوا يدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعونه ستة أشهر أن يتقبل منهم". هذا الوجل هو وقود العبادة في المحطة الأخيرة؛ فلا يغتر المؤمن بعمله، بل يرجو رحمة ربه ويخشى التقصير، لسان حاله يقول: "اللهم تقبل منا القليل، وتجاوز عن التقصير".
2. لوعة الفراق وحنين المشتاق
يشعر المسلم في أواخر رمضان بوخز الحنين قبل أن ينقضي الشهر. فبعد أن ألف الصائم طول القيام، وحلاوة المناجاة، والسكينة التي تغشى بيوت الله، يجد نفسه أمام "وحشة" فراق هذه الأجواء. إنها لوعة المحب الذي يود لو أن الزمان يتوقف، ليبقى في رحاب الطاعة والسمو الروحي.
3. شد المئزر وإحياء الليل: وصية النبي ﷺ
كان النبي ﷺ إذا دخلت العشر الأواخر "شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله". وإحياء هذه الليلة لا يقتصر على الصلاة فقط، بل يشمل منظومة من العبادات التي حرص عليها السلف:
* القيام المطول: الحرص على صلاة التراويح والتهجد، وإطالة السجود والقيام.
* الدعاء المأثور: سألت السيدة عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ: "أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر ما أقول؟" قال: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني».
* الاعتكاف والخلوة: الانقطاع عن شواغل الدنيا، ولو بساعة يخلو فيها العبد بربه يناجيه ويستغفره.
* تلاوة القرآن بتدبر: فهي ليلة القرآن، والقراءة فيها بتدبر وتفكر تعادل عبادة دهر.
4. من رمضان إلى ما بعده: ميثاق الوفاء
إن المعنى الحقيقي لدموع الختام ليس في الانقطاع، بل في الوفاء للعهد. فالمسلم يودع رمضان بجسده، لكنه يصطحب "أنوار رمضان" معه في بقية شهور السنة. فليست العبرة بأن تكون "رمضانياً" فحسب، بل أن تكون "ربانياً" تستمر معك آثار السجود، وخلق الصيام، ونور القرآن حتى رمضان القابل.
وداعاً يا شهر القرآن، وداعاً يا شهر العتق والغفران. نودعك وقلوبنا تلهج بالدعاء: "اللهم لا تجعله آخر العهد من صيامنا إياه، فإن جعلته فاجعلني مرحوماً ولا تجعلني محروماً".
رسالة الوداع: إن العبرة بالخواتيم، فأحسنوا فيما بقي، يغفر لكم ما قد مضى.

تعليقات
إرسال تعليق