القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ محمود شلتوت: إمام التقريب ورائد "التجديد العالمي" للأزهر

 



كتب/ شعبان الأزهري 


حين نذكر الإمام محمود شلتوت، فنحن نتحدث عن شخصية استثنائية في تاريخ الأزهر الشريف، رجلٌ لم يكن مجرد فقيهٍ يفسر النصوص، بل كان مصلحاً اجتماعياً وعالماً عالمياً نجح في إعادة صياغة علاقة الأزهر بالعالم في النصف الثاني من القرن العشرين. هو الشيخ الثاني والثلاثون في سلسلة مشايخ الأزهر (تولى المشيخة 1958 - 1963 م)، وأول من حاز لقب "الإمام الأكبر" رسمياً.


النشأة: من "منية بني منصور" إلى آفاق الاجتهاد


ولد الشيخ محمود شلتوت في قرية "منية بني منصور" بمحافظة البحيرة عام 1310 هـ (1893 م). التحق بالأزهر وأظهر نبوغاً مبكراً، فكان من الداعين إلى الإصلاح منذ ريعان شبابه، وتأثر كثيراً بمدرسة الإمام محمد عبده التي تنبذ الجمود وتدعو لإعمال العقل.


ملامح مشيخته: "الأزهر الحديث"


تعتبر فترة إمامته العصر الذهبي الثاني للأزهر في العصر الحديث، ومن أبرز إنجازاته:

قانون تطوير الأزهر (1961 م): في عهده وبمباركته، صدر القانون التاريخي الذي أدخل الكليات العلمية (كالطب والهندسة) إلى جامعة الأزهر، ليجعل من العالم الأزهري "عالم دين ودنيا" في آن واحد.

إمام التقريب بين المذاهب: يُعد الشيخ شلتوت صاحب المبادرة الأجرأ في تاريخ التقريب بين السنة والشيعة، حيث أسس مع ثلة من العلماء "دار التقريب بين المذاهب الإسلامية"، وأصدر فتواه الشهيرة بجواز التعبد بمذهب "الشيعة الإمامية" كونه مذهباً فقهياً إسلامياً معتبراً.

خطاب عالمي للإسلام: كان أول شيخ للأزهر يوجه خطابات إذاعية دورية للناس، وأول من سعى لتمثيل الأزهر في المحافل الدولية بأسلوب عصري يجمع بين الوقار والمرونة.


مواقفه العلمية والمنهجية


التيسير في الفتوى: عُرف بمنهج التيسير لا التعسير، وكان يرفض التقليد الأعمى، ويدعو دائماً إلى الرجوع للأصول مع مراعاة مقتضيات العصر.

تفسير القرآن: ترك نهجاً فريداً في التفسير يركز على "مقاصد القرآن" والرسالة الأخلاقية والاجتماعية للآيات، بدلاً من الغرق في الخلافات اللغوية والمذهبية المعقدة.


إرثه الفكري


ترك الإمام شلتوت للمكتبة الإسلامية كنوزاً لا غنى عنها، منها:

الفتاوى: وهو كتاب يجمع فتاواه المعاصرة بأسلوب سهل ومنطقي.

الإسلام عقيدة وشريعة: من أهم الكتب التي تشرح جوهر الدين بعيداً عن التعقيد.

تفسير القرآن الكريم: الذي ركز فيه على الإصلاح الاجتماعي.

من توجيهات الإسلام: مجموعة من المقالات والخطب الإصلاحية.


الوفاة والرحيل


انتقل الإمام الأكبر محمود شلتوت إلى رحمة الله في عام 1383 هـ (1963 م)، مخلفاً وراءه مؤسسة تعليمية ودعوية تفخر بلقبه "إمام التقريب". لقد كان شلتوت "جسر المحبة" الذي ربط بين المذاهب، و "عقل التجديد" الذي نقل الأزهر إلى آفاق القرن العشرين.

تعليقات