بقلم/نشأت البسيوني
في آخر الشارع غالبا ما يوجد مصباح يقف وحيدا يضيء جزءا صغيرا من الطريق بينما يغرق ما حوله في الظلام يمر الناس تحته كل يوم دون أن يفكروا كثيرا في وجوده لأنه بالنسبة لهم مجرد ضوء عادي مثل عشرات الأضواء الأخرى التي اعتادوا رؤيتها
لكن ذلك المصباح الصامت يرى ما لا يراه كثيرون يقف في مكانه لسنوات طويلة يراقب خطوات العابرين في ساعات الليل المتأخرة
ويشهد لحظات لا ينتبه لها أحد في زحام الحياة تحت ذلك الضوء مر أشخاص كثيرون بعضهم كان عائدا إلى بيته بعد يوم طويل من العمل وبعضهم كان يمشي ببطء كأنه يحمل في قلبه أفكارا أثقل من الطريق نفسه وربما مر تحته شاب يضحك مع أصدقائه غير مدرك أن تلك اللحظة البسيطة ستصبح بعد سنوات ذكرى بعيدة المصباح لا يعرف أسماءهم ولا قصصهم، لكنه يرى وجوههم للحظة
قصيرة قبل أن تبتلعهم العتمة من جديد كأن الضوء الذي يقدمه ليس فقط لإضاءة الطريق بل ليكشف لحظة عابرة من حياة كل إنسان يمر من هناك وفي الليالي الهادئة حين يقل المارة ويصبح الشارع شبه خال يبدو المصباح كأنه يحرس المكان بصمت يظل مضاء رغم الوحدة ورغم أن معظم الناس نائمون خلف جدران بيوتهم ومع مرور السنوات قد تتغير معالم الشارع وقد تبنى
محلات جديدة أو تختفي بيوت قديمة لكن المصباح يظل شاهدا صامتاً على كل تلك التحولات لا يطلب شيئا ولا يلفت الانتباه لكنه يواصل أداء دوره البسيط كل ليلة يبقى ذلك الضوء الصغير تذكيرا بأن بعض الأشياء في حياتنا تبدو عادية للغاية لكنها في الحقيقة تشاركنا لحظات كثيرة دون أن نشعر أشياء صامتة تقف في أماكنها تراقب مرور الزمن والوجوه والقصص ثم تكتفي بأن تظل مضيئة في صمت

تعليقات
إرسال تعليق