بقلم/نشأت البسيوني
يمضي الانسان سنوات طوال وهو يلحق بأشياء يظن أنها ستكمله يبحث عن أشخاص يمنحونه الطمأنينة وعن فرص تعيده للحياة وعن كلمات تعوّض فراغاً لم يستطع ملأه وحده لكنه مع الزمن يكتشف أن كل هذا البحث الخارجي كان محاولة للهروب من حقيقة واحدة أنه لم ينظر إلى نفسه كما يجب وفي لحظة صدق تأتي بعد تعب طويل يبدأ يرى أن ما يفتقده ليس في العالم بل في داخله
وأن الأمان الذي يبحث عنه في الآخرين لا قيمة له إن لم يكن موجوداً في قلبه وأن قوة الإنسان لا تمنح له من الخارج بل تولد حين يعرف نفسه ويحترم حاجاته ويتوقف عن مقارنتها بما يملكه الآخرون ومع هذا الإدراك يهدأ شيء كبير في روحه يتوقف عن الركض خلف كل فرصة يخاف أن تضيع يعرف أن ما كتب له سيأتي دون مطاردة وأن ما غاب عنه لم يكن له من البداية ويبدأ يفهم أن
الأبواب التي أغلقت في وجهه لم تكن ظلماً بل كانت رحمة وأن الناس الذين ابتعدوا لم يأخذوا شيئاً يخصه ويتعلم أن يضع نفسه أولاً دون شعور بالذنب وأن يسمع صوته قبل أصوات الآخرين وأن يختار ما يشبهه ولو بدا بسيطاً لأن الجري وراء ما لا يناسبه لم يجلب له سوى الخذلان وأن كل مرة تجاهل حدسه دفع الثمن مضاعفاً وكل مرة صدق ما يشعر به، نجا ولو تألم ويبدأ يرى أن
السلام الحقيقي ليس لحظة عابرة بل حالة يصنعها بتصرفاته اليومية بحدوده التي يضعها بعلاقاته التي يختارها بالمسافات التي يرسمها وبالمعنى الذي يعطيه لكل يوم يعيش فيه وأن الفوضى التي كانت تملأ داخله لم تكن من الناس بل من تجاهله لنفسه
يكتشف أن ما يبحث عنه لم يكن بعيداً كما اعتقد وأن الإجابات لم تكن خارج قلبه بل كانت تنتظر أن يهدأ ليراها وأن أجمل ما يصل
إليه الإنسان أن يعرف نفسه معرفة صافية بلا خوف ولا تزييف حينها فقط يعرف أن كل الطريق الذي قطعه لم يكن ضياعاً بل كان رحلة يعود فيها إلى ذاته من جديد

تعليقات
إرسال تعليق