القائمة الرئيسية

الصفحات

وداع المحبين: مشاعر المسلم في رحيل شهر القرآن

 



كتب/ شعبان الأزهري 


تمضي الأيام مسرعة، وكأنها طي السجل، وها نحن نلمح في الأفق خيوط الفجر الأخير من شهر رمضان. ومع اقتراب الرحيل، تخالج قلب المسلم مشاعر متناقضة، يمتزج فيها رجاء القبول بألم الفراق، وتختلط فيها عبرات الوداع بأمل العودة. إنها لحظات "وداع المحبين" لضيفٍ حبيب، لم يكن مجرد شهر في العام، بل كان حياةً للروح ونوراً للبصيرة.


1. لوعة الفراق وحنين المشتاق


يشعر المسلم في أواخر رمضان بوخز الحنين قبل أن ينقضي الشهر. فبعد أن ألف الصائم طول القيام، وحلاوة المناجاة، والسكينة التي تغشى بيوت الله، يجد نفسه أمام "وحشة" فراق هذه الأجواء. إنها لوعة المحب الذي يود لو أن الزمان يتوقف، ليبقى في رحاب الطاعة والسمو الروحي.


2. وجل القبول: "ليت شعري من المقبول؟"


تسيطر على المسلم في هذه اللحظات تساؤلات السلف الصالح: أقُبل صيامنا فنُهنأ؟ أم رُدّ علينا فنُعزى؟ هذا الوجل هو وقود العبادة في المحطة الأخيرة؛ فلا يغتر المؤمن بعمله، بل يرجو رحمة ربه ويخشى التقصير، لسان حاله يقول: "اللهم تقبل منا القليل، وتجاوز عن التقصير".


3. جرد الحساب الرمضاني


في وداع الشهر، يقف المسلم مع نفسه وقفة محاسبة؛ ماذا أنجز من عهوده مع القرآن؟ وكيف تهذبت أخلاقه؟ هل استطاع أن يكسر قيود العادات وينطلق في فضاء العبادات؟ هذا التأمل ليس لجلد الذات، بل لتعزيز المكتسبات الإيمانية التي تحققت خلال ثلاثين يوماً.


4. بريق الأمل: عيد الفطر والجائزة


رغم ألم الوداع، يلوح في الأفق ضياء العيد، الذي جعله الله جائزة للصائمين. فالفرح بالعيد هو فرح بتمام النعمة، وبلوغ الكمال في العدة؛ (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ). إنها فرحة المحب الذي نال رضا محبوبه بعد جهد وصبر.


5. الميثاق المستمر: "رب رمضان هو رب العام كله"


إن المعنى الحقيقي لوداع المحبين ليس في الانقطاع، بل في الوفاء للعهد. فالمسلم يودع رمضان بجسده، لكنه يصطحب "أنوار رمضان" معه في بقية شهور السنة. فليست العبرة بأن تكون "رمضانياً" فحسب، بل أن تكون "ربانياً" تستمر معك آثار السجود، وخلق الصيام، ونور القرآن حتى رمضان القابل.


وداعاً يا شهر القرآن، وداعاً يا شهر العتق والغفران. نودعك وقلوبنا تلهج بالدعاء: "اللهم لا تجعله آخر العهد من صيامنا إياه، فإن جعلته فاجعلني مرحوماً ولا تجعلني محروماً".

 رسالة الوداع: إن العبرة بالخواتيم، فأحسنوا فيما بقي، يغفر لكم ما قد مضى.

تعليقات