القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ مصطفى العروسي: الإمام الثامن عشر ومجدد نظام التعليم

 



كتب / شعبان الأزهري 


بعد رحيل الإمام الباجوري، استدعى تاريخ الأزهر الشريف مرة أخرى اسماً من أعرق بيوته العلمية، ليقع الاختيار في عام 1281 هـ (1864 م) على الإمام مصطفى بن محمد بن أحمد العروسي، ليكون الشيخ الثامن عشر للأزهر الشريف. وبذلك حققت عائلة "العروسي" سابقة تاريخية بتولي ثلاثة من أبنائها (الجد والأب والحفيد) منصب مشيخة الأزهر.


النشأة: وريث المجد العلمي


ولد الشيخ مصطفى العروسي في القاهرة عام 1213 هـ. نشأ في بيت "مشيخة"، حيث كان والده الشيخ محمد العروسي إماماً للأزهر، وجده الشيخ أحمد العروسي إماماً قبله. تلقى العلم على يد كبار علماء عصره، وعلى رأسهم والده والإمام الباجوري.

كان العروسي شافعي المذهب، وعُرف بصرامته العلمية، وقوة شخصيته، ونزاهته التي لم يختلف عليها اثنان. لم يكن مجرد فقيه، بل كان إدارياً محنكاً يمتلك رؤية لتطوير المؤسسة العريقة.


ملامح مشيخته: ثورة التنظيم والإصلاح


تولى الشيخ مصطفى العروسي المشيخة في عهد الخديوي إسماعيل، وهي فترة كانت تموج برغبة عارمة في التحديث. تميزت مشيخته بخطوات إصلاحية جريئة، من أهمها:

تنظيم امتحانات التدريس: قبل عهده، كان التدريس في الأزهر يعتمد أحياناً على الإجازات الفردية. قام الشيخ العروسي بتنظيم لجان لاختبار العلماء الراغبين في التدريس، لضمان كفاءة من يتصدى لتعليم الطلاب، مما رفع من شأن الشهادة الأزهرية.


إصلاح أحوال الطلاب:اهتم بنظام "الجراية" (الرواتب العينية والمادية) وتوزيعه بالعدل، وحرص على صيانة الأروقة وترميمها لتوفير بيئة صالحة للدراسة.

الاستقلالية والصرامة: عُرف عنه الوقوف بحزم أمام التدخلات الخارجية في شؤون الأزهر العلمية، وكان يرى أن كرامة الأزهر من كرامة شيخه وعلماءه.


آثاره العلمية


رغم انشغاله بالإصلاح الإداري، ترك الشيخ مصطفى العروسي مؤلفات قيمة، منها:

نتائج الأفكار القدسية في شرح الرسالة القشيرية: وهو من أهم الكتب التي شرحت التصوف السني المعتدل، وطُبع في أربعة مجلدات.

حاشية على شرح الستين مسألة في فقه الشافعية.

العقود اللؤلؤية في تنزيه الحق عن الكيفية والتشبيه.

شرح الفتح القدير: في الفقه والتوحيد.


الخروج من المشيخة والوفاة


تعد قصة خروجه من المشيخة من الأحداث النادرة، حيث تم عزله في عام 1287 هـ نتيجة خلافات إدارية وسياسية مع الخديوي إسماعيل وبعض الأطراف، ليكون بذلك أول شيخ يُعزل من منصبه في العصر الحديث. تقبل الشيخ الأمر بوقار العلماء، وانزوى في بيته للعبادة والتأليف حتى وافته المنية في عام 1293 هـ (1876 م).


ترك الشيخ مصطفى العروسي إرثاً كبيراً، ليس فقط في الكتب، بل في "فكرة النظام"؛ فهو الذي وضع اللبنات الأولى لتحويل الأزهر من حلقات دراسية تعليمية بسيطة إلى مؤسسة تخضع لقوانين ونظم تقيم الكفاءة العلمية.

تعليقات