كتب / شعبان الأزهري
بعد وفاة الإمام حسن القويصني، آلت مشيخة الأزهر الشريف في عام 1263 هـ (1847 م) إلى واحد من ألمع وأشهر علماء القرن التاسع عشر، وهو الإمام إبراهيم بن محمد بن أحمد الباجوري. يُعد الباجوري الشيخ السابع عشر للأزهر، وبطل المرحلة التي شهدت نضج المدرسة الأزهرية في التأليف والتحقيق، حتى لُقب في عصره بـ "شيخ الإسلام" و"مجدد القرن".
النشأة:
من "باجور" إلى ريادة المذهب الشافعي
ولد الشيخ الباجوري في بلدة "باجور" بمحافظة المنوفية عام 1198 هـ (1784 م). نشأ في بيت علم، وحفظ القرآن الكريم على يد والده، ثم قدم إلى الجامع الأزهر وهو في الرابعة عشرة من عمره.
كان الباجوري شافعي المذهب، وتتلمذ على يد قامات كبرى مثل الشيخ عبد الله الشرقاوي والشيخ حسن العطار. تميز منذ صباه بقدرة فائقة على الحفظ والتدقيق، فجمع بين العلوم النقلية (الفقه والحديث والتفسير) والعلوم العقلية (المنطق والكلام)، مما جعله مرجعاً للعلماء قبل الطلاب.
ملامح مشيخته: العصر الذهبي للمتون والحواشي
استمرت مشيخة الباجوري نحو 13 عاماً، وتعتبر من أزهى فترات الأزهر العلمية، ومن أبرز معالمها:
دقة التحقيق العلمي: لم يكن الباجوري مجرد ناقل للعلم، بل كان محققاً فذاً. امتاز بأسلوب خاص في الكتابة يجمع بين السهولة والعمق، مما جعل كتبه هي المعتمدة في التدريس بالأزهر الشريف وحتى في بلاد الحجاز والشام والمغرب واليمن.
الهيبة في عهد أحفاد محمد علي:
عاصر الباجوري حكام مصر (إبراهيم باشا، عباس حلمي الأول، وسعيد باشا). وكان يُعامل باحترام شديد من قبل الولاة، ويُذكر أن الخديوي سعيد باشا كان يقدره تقديراً خاصاً لصدقه وزهده في حطام الدنيا.
إصلاح أحوال الرواق: اهتم الباجوري بتنظيم الدراسة، وحرص على صون كرامة طالب العلم، وكان بيته في "حي الجمالية" مقصداً للغريب والفقير وطلاب العلم الوافدين من كل بقاع الأرض.
مؤلفاته:
"حاشية الباجوري" التي دخلت كل بيت
ترك الإمام الباجوري ثروة علمية ضخمة لا تزال تُدرس حتى يومنا هذا، ومن أشهرها:
حاشية الباجوري على شرح ابن قاسم الغزي: في فقه الشافعية، وهي الكتاب الأشهر الذي لا يكاد يخلو منه بيت طالب علم شافعي.
حاشية الباجوري على "الشمائل المحمدية" للترمذي: وتعد من أجمل ما كُتب في وصف النبي ﷺ.
تحفة المريد على جوهرة التوحيد: في علم العقيدة، وهي مرجع أساسي في المذهب الأشعري.
حاشية على متن "السلم المنورق": في علم المنطق.
وفاته وإرثه الباقي
توفي الإمام إبراهيم الباجوري في عام 1277 هـ (1860 م). وقد حزن العالم الإسلامي لرحيله، حيث كانت وفاته إيذاناً برحيل واحد من أواخر العمالقة الذين جمعوا بين سعة الاطلاع وجمال التصنيف.
ترك الباجوري خلفه "مكتبة أزهرية" متكاملة؛ فكتبه وحواشيه ما زالت هي الركيزة الأساسية للمنهج الأزهري، وبقي اسمه رمزاً للعالم الذي أخلص للعلم فخلد العلمُ ذكره في الآفاق.

تعليقات
إرسال تعليق