بقلم/نشأت البسيوني
هناك مسافات لا تقاس بالخطوات ولا بالكيلومترات بل تقاس بما يحدث داخل القلب وبما يتغير داخل الروح فبعض المسافات تكبر بين انسان ونفسه قبل ان تكبر بينه وبين الاخرين مسافات يصنعها الصمت والتردد ومحاولات التظاهر بالقوة ومحاولات اخفاء ما يجب مواجهته لكنها رغم خفائها تترك اثرها العميق على كل شيء
هذه المسافات تظهر حين يتغير داخل الانسان وهو يحاول ان يقنع
نفسه انه كما كان حين يشعر بثقل لا يعرف سببه او فراغ لا يعرف مصدره او حيرة لا يعرف كيف يهرب منها وحين يكتشف ان ما بينه وبين ذاته لم يعد كما كان وان عليه ان يستعيد نفسه قبل ان يستعيد اي شيء اخر اتساع المسافات الخفية ليس علامة ضعف كما يظن البعض بل علامة ان الروح تنبه صاحبها انها لم تعد قادرة على التحمل انها تحتاج لاعادة ترتيب تحتاج لاعادة تعريف لما
يستحق البقاء وما يجب الرحيل وما يجب ان يتغير وما لا يجب الاستمرار في التعلق به حتى لو كان ذلك صعبا او موجعا في هذه المسافات يتعلم الانسان المعنى الحقيقي للوضوح يفهم ان الصراحة مع النفس اقوى من اي كلمة يقولها للاخرين يفهم ان محاولات الهروب لا تنجح طويلا وان ما يتجنبه سيعود اليه بشكل اعمق واشد وان المصالحة لا تبدأ مع الناس بل تبدأ مع الداخل الذي
تكدس فيه ما لم يعد يحتمل ومع الوقت يدرك ان المسافات ليست دائما خسارة فبعضها حماية وبعضها درس وبعضها فرصة لاعادة تشكيل الروح وبعضها طريق نحو ما يناسبه فعلا وليس ما اعتاد عليه وبعضها مساحة لالتقاط الانفاس بعد معارك خفية خاضها دون ان يسمع بها احد الانسان حين يعترف باتساع المسافة داخله يبدأ في تقليصها خطوة خطوة يبدأ برؤية نفسه كما هي بدون اقنعة
بدون مجاملة بدون خوف يبدأ بوضع حد لما يؤذيه وفتح باب لما يشبهه والعودة الى ما ينسجم مع روحه لا ما يفرضه عليه العالم
يفهم ان اقرب طريق يعود به الى نفسه ليس الكلام الكثير ولا التبريرات الطويلة بل لحظة صدق خالصة لا يحضر فيها احد غيره تلك اللحظة التي يقرر فيها ان يتوقف عن الابتعاد وان يعود الى ذاته ولو احتاج ذلك وقتا وصبرا وهدوءا ليعيد بناء كل ما تفتت داخل
الطرق الطويلة

تعليقات
إرسال تعليق