بقلم/نشأت البسيوني
يمضي الإنسان عمره وهو يفتش عن الطمأنينة وكأنها كنز مخبوء في مكان بعيد بينما الحقيقة أنها تسكن تفاصيل بسيطة نمر عليها كل يوم دون أن نلتفت لها فنحن نظن أن الراحة تأتي من امتلاك الأشياء الكبيرة بينما كثيرا ما نجدها في لحظة صمت قصيرة أو في يد تمتد نحونا أو في كلمة صادقة تهبط على القلب كالمطر الهادئ الذي يطفئ ضجيج الداخل ويعيد ترتيب الفوضى التي نخفيها
خلف ابتساماتنا المعتادة فنحن نركض بلا توقف ظانين أن الطمأنينة في نهاية الطريق بينما هي كانت معنا طوال الوقت تنتظر فقط أن نتوقف ونراها نحن نبحث عنها في الأماكن المزدحمة رغم أنها تتواجد غالبا في مساحات ضيقة داخل أفكارنا نتعلق بأشخاص نعتقد أنهم سيمنحوننا السلام بينما قد يكون السلام في ترك بعض العلاقات التي أنهكت أرواحنا ننتظر تغييرا كبيرا يبدل حياتنا بينما
التغيير الحقيقي يبدأ حين نقرر نحن أن ننصت لأنفسنا بعيدا عن أصوات العالم وأن نعترف أننا تعبنا بما يكفي وأن الوقت قد حان لنختار لأنفسنا حياة أكثر هدوءا وأقل صراعا وأقرب لما نريده فعلا
الطمأنينة ليست شيئا نصنعه فجأة إنها نتيجة تراكم اختيارات صغيرة وأفكار صحيحة وصدق مع الذات فهي تظهر حين نقبل أن الماضي انتهى وأن ما ذهب لن يعود وحين نتوقف عن مطاردة
أشباح خيبات قديمة وننفض غبار الذكريات التي أثقلت خطواتنا سنوات طويلة فنحن حين نحمل كل هذا الثقل في قلوبنا نمنع عنها الضوء الذي تحتاجه لتتنفس ونمنع عن أنفسنا فرصة أن نرى العالم دون تلك الغشاوة التي صنعتها الأيام فوق أعيننا وفي لحظة ما يجد الإنسان نفسه أمام حقيقة واضحة أنه لم يكن يبحث عن الطمأنينة بقدر ما كان يبحث عن نفسه كان يهرب من ضجيج العالم
وهو في الحقيقة يهرب من تشتته الداخلي كان يحتاج أن يجلس وحيدا ليستعيد قدرته على الفهم والفرز والترتيب لأن الطمأنينة لا تأتيك من الخارج ما لم تكن بداخلك مساحة قابلة لاستقبالها مساحة نظيفة من ضوضاء الأفكار والحسابات والخوف والتردد وعندما يصل الإنسان إلى هذا الإدراك يبدأ في رؤية كل شيء بشكل مختلف يرى أن لحظة شروق بسيطة تحمل سلاما أعمق من سفرة طويلة
وأن كوب قهوة في صباح هادئ قد يداوي ما لم تستطع الأيام مداواته وأن حديثا قصيرا مع شخص مخلص قد يرمم تشققات كثيرة في الروح وأن اتساع القلب لا يصنعه المال ولا المقام بل يصنعه صفاء النية ونقاء الشعور وتقبل الكون كما هو دون مقاومة مستمرة وما إن يجمع الإنسان هذه الشذرات الصغيرة حتى يكتشف أن الطمأنينة ليست غاية بل أسلوب حياة وأن السعي إليها لا ينتهي
لأنها ليست محطة نصل إليها بل حالة نعيشها كلما اخترنا أن نكون ألين مع أنفسنا وأصدق في مشاعرنا وأقرب للسلام الداخلي الذي يمنح العالم كله شكلا مختلفا ويمنح القلب قدرة أكبر على الاحتمال والاستمرار والنبض بثبات رغم كل شيء

تعليقات
إرسال تعليق