كتب /شعبان الأزهري
في عصرٍ طغت فيه الفردية، وتوغلت فيه الشاشات لتصنع جزرًا منعزلة بين أفراد الأسرة الواحدة، بات "النسيج الاجتماعي" يعاني من تمزقات خفية؛ جفاءٌ في المشاعر، وقطيعةٌ مغلفة بضيق الوقت، وانحسارٌ لقيم التكافل لصالح قيم الاستهلاك. هنا، يأتي شهر رمضان ليس مجرد ميقاتٍ للعبادة الفردية، بل كعملية "هندسة اجتماعية" كبرى، تهدف إلى إعادة عمارة القلوب وترميم ما تهدم من روابط الإنسان بأخيه الإنسان.
رمضان ككسر لنمط "الأنا"
تبدأ عمارة المجتمع في رمضان بكسر حدة "الأنا" وتذويب الفوارق. الصيام يوحد الجميع في تجربة شعورية واحدة؛ فالغني يذوق ألم الجوع الذي يعيشه الفقير، وهذا ليس مجرد تضامن نظري، بل هو "وحدة حال" تفرضها الفريضة. هذا التماثل في الضعف الإنساني أمام الخالق يزيل حواجز الكبر والطبقية، ويفتح الباب أمام تدفق مشاعر الرحمة التي هي حجر الأساس في أي بناء اجتماعي متماسك.
مائدة الإفطار: منصة الترميم
ليست مائدة الإفطار مجرد تجمع لتناول الطعام، بل هي "محراب اجتماعي". إن اجتماع العائلة والأقارب والجيران في وقت واحد، وعلى نداء واحد، يُحيي شعيرة التزاور التي كادت تندثر.
* إحياء صلة الرحم: رمضان يمنح "الشرعية" و"الدافع" لإنهاء الخصومات؛ فجملة "رمضان كريم" هي المفتاح السحري لفتح الأبواب الموصدة وتجاوز عثرات الماضي.
* إفطار الصائم: حين تمتد الموائد في الشوارع (موائد الرحمن)، يتحول الشارع من مجرد ممر للمشاة إلى فضاء للتراحم، حيث يلتقي الغريب بالبسيط، وتنمحي المسافات الاجتماعية.
التكافل: من الإحسان إلى التمكين
يأتي "إخراج الزكاة" و"صدقة الفطر" كأدوات اقتصادية ذات أهداف اجتماعية عميقة. رمضان يعيد تذكيرنا بأن المجتمع جسد واحد؛ فدفع المال ليس "تفضلاً" من الغني، بل هو "حق" للسائل والمحروم. هذا المفهوم يعيد بناء الثقة بين طبقات المجتمع، ويقلل من حدة الحقد الطبقي، ويشعر الفقير بأنه جزء أصيل من النسيج، وليس هامشاً منسياً.
صلاة التراويح: ديمقراطية الروح
في المسجد، تكتمل صورة "عمارة القلوب". يقف الطبيب بجوار العامل، والوجيه بجوار البسيط، في صفوف مرصوصة تتجه لقبلة واحدة. هذا التلاحم الجسدي والروحي في صلاة التراويح يغرس في الوجدان معنى "الجماعة". إن الانضباط خلف إمام واحد، والتأمين على دعاء واحد، يُعيد صياغة العقل الجمعي نحو الوحدة والانسجام، ويخفف من حدة الصراعات الفكرية والاجتماعية.
أثر الصيام في تهذيب الأخلاق الاجتماعية
إن شعار "إني صائم" ليس مجرد ذكر لله، بل هو "ميثاق أخلاقي" لضبط التعاملات. رمضان يربي الصائم على:
* كظم الغيظ: مما يقلل من نسب المشاحنات في الأماكن العامة.
* الكلمة الطيبة: كبديل للصخب واللغو.
* التطوع: حيث يتسابق الشباب والصبية في توزيع التمر والماء، مما يزرع في الجيل الجديد قيمة الخدمة العامة.
إن رمضان هو الفرصة الذهبية لترميم "النسيج المتهالك"؛ فهو يبدأ بعمارة القلب الفردي بالتقوى، لينطلق منها نحو عمارة البيت بالود، ثم عمارة المجتمع بالتكافل. إن نجاح صيامنا لا يُقاس فقط بعدد الركعات، بل بمدى متانة الجسور التي استطعنا بناءها مع من حولنا بعد رحيل الشهر.

تعليقات
إرسال تعليق