بقلم/نشأت البسيوني
في زحام الأصوات وتكدس الوعود وتناقض الكلمات توجد قلوب تمتلك حدسا يشبه البصيرة قلوب لا تحتاج إلى شرح طويل كي تفهم ولا إلى اعتذار كي تستوعب ولا إلى تبرير كي تعرف أين يقف الآخرون منها هذه القلوب تقرأ الحقيقة قبل أن تقال وتلتقط ما بين السطور كما لو أنها خلقت لتكشف ما يحاول الناس إخفاءه خلف ابتسامات معلبة أو كلمات منمقة هذه القلوب ليست صافية فحسب
بل حساسة بالقدر الذي يجعلها ترى ما لا يراه غيرها وتسمع ما لا يقال وتفهم المعنى الحقيقي خلف كل تصرف صغير لذلك تبدو أحياناً وكأنها تنكسر بسهولة لكنها في الحقيقة تنكسر لأنها ترى الحقيقة بوضوح أكبر مما يتحمله البشر القلوب التي تقرأ الحقيقة تعرف متى تغير أحدهم ومتى بدأ ينسحب ومتى لم يعد الوجود كما كان وتعرف متى أصبح الحضور مجرد عادة ومتى فقد الكلام
نبرته القديمة ومتى لم يعد الاهتمام كما كان هذه التفاصيل الصغيرة التي يعجز عنها كثيرون تراها بحدة لا تخطئ لكن العجيب أنها رغم كل هذا الفهم لا تفضح أحدا ولا تواجه أحدا ولا تصرخ في وجه أحد لأن نضجها أعلى من الضجيج فبدلاً من النزاع تختار الصمت وبدلاً من الجدال تختار الانسحاب الهادئ وبدلاً من التعلق تختار أن تمنح نفسها فرصة لتشفى هذه القلوب لا تحمل ضغينة ولا
تحب الانتقام ولا تخطط للإيذاء لكنها فقط لا تقبل أن تهان ولا تسمح لأحد أن يقلل من قيمتها لذلك حين تشعر أن الحقيقة قد تغيرت وأن المواقف لم تعد صادقة وأن العلاقة أصبحت مجرد واجب تتراجع بصمت وتغلق الباب دون ضوضاء وتترك كل شيء يمضي كما لو أنه لم يكن ورغم الوجع الذي يصاحب هذا الانسحاب تظل هذه القلوب أقوى مما يتخيل الجميع لأنها لا تغلق بابا إلا بعد
أن تيقنت أن البقاء يؤلم أكثر من الرحيل ولا تنهي علاقة إلا بعد أن تدرك أن الاستمرار يطفئها ولا تتراجع إلا حين يصبح الصمود عبئا أثقل من قدرتها على الاحتمال تبقى القلوب التي تقرأ الحقيقة قبل أن تقال هي الأكثر صدقا والأعمق إحساسا والأطهر نية لأنها لم تخدع أحدا ولم تبع وهما ولم تتلون كي ترضي أحدا إنها فقط تحفظ كرامتها وتفهم قيمتها وتفضل السلام الداخلي على أي علاقة تنهك الروح

تعليقات
إرسال تعليق