القائمة الرئيسية

الصفحات

جزيرة الشيطان "إبستين" وموقف الإسلام منها: مواجهة الفساد في الأرض


جزيرة الشيطان "إبستين" وموقف الإسلام منها: مواجهة الفساد في الأرض

كتب /شعبان الأزهري 


في قلب المياه الزرقاء للبحر الكاريبي، تقع جزيرة "ليتل سانت جيمس"، التي لم تعد تُعرف باسمها الجغرافي، بل لُقبت بـ "جزيرة الشيطان". ارتبط هذا المكان باسم الملياردير جيفري إبستين، وتحول في الوجدان العالمي إلى رمز لأبشع صور الاستغلال البشري، حيث اجتمع المال الحرام، والنفوذ السياسي، والتحلل الأخلاقي في بقعة واحدة لصناعة مأساة إنسانية هزت ضمير العالم.


في هذا المقال، نسلط الضوء على ماهية هذه القضية، ونستعرض الموقف الحازم للإسلام تجاه الجرائم التي ارتُكبت خلف تلك الأسوار المنيعة.


أولاً: جزيرة إبستين.. سقوط الأقنعة


لم تكن جزيرة إبستين مجرد منتجع فاخر للنخبة، بل كشفت التحقيقات والشهادات عن كونها مركزاً لإدارة شبكة دولية لـ الاتجار بالقاصرات. تم استدراج فتيات صغيرات تحت إغراءات مادية أو وعود كاذبة بمستقبل مهني، ليجدن أنفسهن في دوامة من الاستغلال الجنسي المنظم لصالح شخصيات من "الصفوة" في مجالات السياسة، والمال، والأعمال.

تكمن خطورة هذه القضية في "المأسسة الإجرامية" للفاحشة؛ حيث تم تسخير الطائرات الخاصة، والمنتجعات المعزولة، والمنظومات الأمنية لحماية المعتدين وضمان صمت الضحايا، مما جعلها توصف بحق أنها بقعة شيطانية على الأرض.


ثانياً: موقف الإسلام من "جرائم الجزيرة"


الإسلام ليس مجرد شعائر تعبدية، بل هو نظام أخلاقي وقانوني جاء لحماية الإنسان وكرامته. وما حدث في جزيرة إبستين يمثل صداماً مباشراً مع قيم الدين في عدة محاور:


1. جريمة الحرابة والإفساد في الأرض


ينظر الإسلام إلى الجرائم المنظمة التي تستهدف ترويع الآمنين وهتك أعراضهم تحت وطأة التهديد أو النفوذ كنوع من "الحرابة". والحرابة هي خروج على النظام العام وإفساد في الأرض، وقد وضع القرآن الكريم لها أشد العقوبات لأنها تهز أركان المجتمع. قال تعالى:

إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33) 


إن استغلال الأطفال والقصر هو من أغلظ صور الفساد التي تستوجب القصاص والردع.


2. تحريم الاتجار بالبشر واستعبادهم


في الوقت الذي يتشدق فيه البعض بالحرية، جاءت قضية إبستين لتعيدنا إلى عصور العبودية المظلمة. الإسلام حرّم "بيع الأحرار" واعتبره من الموبقات. ومن يتاجر بآلام الناس وجراحهم لأجل المتعة أو المال هو خصيم لله يوم القيامة، كما ورد في الحديث النبوي الشريف.


3. انتهاك "الضرورات الخمس"


جاءت الشريعة لحفظ (الدين، النفس، العقل، النسل، المال). وجرائم "جزيرة الشيطان" ضربت هذه الضرورات في مقتل:

 * حفظ النفس والنسل: من خلال تدمير الصحة النفسية والجسدية للأطفال والفتيات.

 * حفظ العرض: الذي يعتبره الإسلام أغلى ما يملكه الإنسان، وجعل الموت دونه شهادة.


4. موقف الإسلام من فساد النخب


لا يعترف الإسلام بـ "الحصانة" التي تمنح المجرم حقاً في الإفلات من العقاب بسبب ماله أو منصبه. القاعدة النبوية صريحة: "لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها". فالعدالة في الإسلام عمياء لا ترى رتبة الجاني، بل ترى جرمه، وهو ما تفتقر إليه الكثير من المنظومات التي سمحت لإبستين ومن معه بالتمادي لسنوات طويلة.


ثالثاً: الرسالة الأخلاقية

إن قضية إبستين تذكرنا بأن الحضارة المادية حين تنفصل عن الوازع الديني والأخلاقي تتحول إلى وحش يقتات على الضعفاء. الإسلام يوجب على المجتمع ألا يقف متفرجاً، بل يدعو إلى "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" كصمام أمان لمنع تحول أي بقعة في العالم إلى "جزيرة شيطان" جديدة.


ستظل "جزيرة إبستين" شاهداً على انحدار البشرية حين يغيب تطبيق الشرع الإلهي عن واقع الناس. وسيبقى الإسلام بمبادئه الراسخة هو الملاذ الذي يكفل كرامة المرأة، ويحمي براءة الطفولة، ويضع حداً لتغول المفسدين مهما بلغت سلطتهم.


تعليقات