القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ عبد الله الشبراوي: الإمام السابع.. فقيه الأمة وأديب العلماء

 



كتب / شعبان الأزهري 


بوفاة الشيخ الفيومي، انتقلت مشيخة الأزهر الشريف إلى مرحلة جديدة من الجمع بين العلوم الشرعية والجماليات الأدبية، حيث تولى المنصب الإمام عبد الله بن محمد بن عامر الشبراوي، ليصبح الشيخ السابع في تاريخ المؤسسة.

 تولى المشيخة عام 1137 هـ (1724 م)، ويعد عهده من أزهى عصور الأزهر في القرن الثامن عشر، لما تمتع به من شخصية جامعة ومواهب متعددة.


النشأة والتكوين: عبقرية مبكرة


ولد الشيخ الشبراوي في القاهرة عام 1091 هـ (1681 م)، ونسبته إلى قرية "شبرا" التي نزل بها والده. نشأ في بيت علم وفضل، مما أتاح له الالتحاق بالأزهر في سن مبكرة. تميز بذكاء وقاد وقدرة على استيعاب الفنون المختلفة، فلم يكتفِ بالتفوق في العلوم النقلية (كالفقه والحديث)، بل برع في العلوم العقلية والأدب والبلاغة والشعر.

كان الشبراوي شافعي المذهب، وهو ما أعاد المذهب الشافعي إلى منصب المشيخة بعد أن شغله أتباع المذهب المالكي لعدة عقود، مما عكس التنوع المذهبي العميق داخل أروقة الأزهر.


ملامح مشيخته: هيبة الإمام وسحر البيان


تولى الشيخ الشبراوي المشيخة لمدة بلغت نحو 34 عاماً، وهي من أطول فترات المشيخة في ذلك العصر، وقد تميز عهده بـ:

 * النهضة الأدبية: كان الشبراوي شاعراً فذاً وكاتباً بليغاً، وقد بث روح الأدب في الأزهر، مما جعل العلم في عصره مغلفاً بجمال العبارة وعذوبة الأسلوب.

 * الوساطة والحكمة: تمتع الشيخ بمكانة اجتماعية مرموقة وهيبة كبيرة لدى الحكام والولاة العثمانيين والمماليك على حد سواء. كان يُلجأ إليه لفض النزاعات الكبرى، وكان قوله فصلاً في الأزمات السياسية التي مرت بها مصر.

 * رعاية العلم: شهد عهده ازدهاراً في حركة التأليف والتدريس، وكان مجلسه يضم الأمراء والعلماء والعامة، يستمعون إلى فقهه ويستمتعون بأدبه.


آثاره العلمية والأدبية


ترك الشيخ الشبراوي ثروة من المؤلفات التي تنوعت بين الفقه والتاريخ والشعر، منها:

 * عنوان البيان وبستان الذهن: وهو كتاب جامع في الأدب والحكم والوصايا.

 * شرح الصدر في غزو أهل بدر: كتاب تاريخي أدبي يتناول السيرة النبوية.

 * الإتحاف بحب الأشراف: تناول فيه مكانة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.

 * ديوان الشبراوي: ويحتوي على قصائده التي تميزت بالرقة والجزالة، وكان أشهرها في مدح النبي والزهد والرقائق.


وفاته وإرثه


انتقل الإمام عبد الله الشبراوي إلى رحمة الله في عام 1171 هـ (1758 م). لم يكن رحيله مجرد غياب لعالم، بل كان فقداناً لقامة وطنية وأدبية كبرى. دُفن في مشهد مهيب، وبقي اسمه علامة على العصر الذي كان فيه "العالم" شاعراً، و"الإمام" أديباً.

يُعد الشبراوي المؤسس الحقيقي لصورة "العالم الأزهري المثقف" الذي يجمع بين التبحر في أصول الشريعة وبين الانفتاح على فنون اللغة والأدب، وهي الصورة التي استلهمها منه الكثير من المصلحين لاحقاً.

تعليقات