القائمة الرئيسية

الصفحات

الشيخ أحمد بن موسى العروسي: الإمام الحادي عشر ومجدد هيبة العلماء

 


كتب/ شعبان الأزهري 


بعد رحيل الإمام الموسوعي أحمد الدمنهوري، استقبل الأزهر الشريف عهداً جديداً من الاستقرار العلمي والاجتماعي بتولي الإمام أحمد بن موسى بن أحمد العروسي مشيخة الأزهر، ليصبح الشيخ الحادي عشر في تاريخ هذا المنصب الرفيع. تولى المشيخة في عام 1192 هـ (1778 م)، ليكون مؤسساً لأسرة علمية عريقة أخرجت للأزهر ثلاثة من كبار مشايخه عبر التاريخ.


النشأة والتكوين: من "منية عروس" إلى سدة المشيخة


ولد الشيخ العروسي في قرية "منية عروس" بمحافظة المنوفية عام 1133 هـ (1720 م). نشأ في بيئة ريفية تتسم بالتقوى، وحفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية قبل أن يشد الرحال إلى القاهرة. في الأزهر الشريف، أظهر العروسي نبوغاً فائقاً، وتخصص في المذهب الشافعي.

تتلمذ على يد أساطين العلم في عصره، وعلى رأسهم الشيخ عبد الله الشبراوي والشيخ محمد بن سالم الحفني. لم يكتفِ العروسي بدراسة الفقه والحديث، بل برع في علوم اللغة والمنطق والتفسير، حتى صار من ألمع مدرسي الجامع الأزهر، وصار الطلاب يتسابقون لحضور حلقاته العلمية.


ملامح مشيخته: نصير الشعب وقائد العلماء


استمرت مشيخة الشيخ العروسي نحو 15 عاماً، وتعد من الفترات التي استعاد فيها منصب شيخ الأزهر هيبته السياسية والاجتماعية، ومن أبرز معالمها:

 * الدفاع عن المظلومين: عُرف الشيخ العروسي بشجاعته النادرة في مواجهة الأمراء المماليك. وفي سنوات القحط والغلاء، كان يقود الاحتجاجات الشعبية ضد الضرائب الباهظة، ويجبر الحكام على التراجع عن قراراتهم الجائرة، مما جعله "بطلاً شعبياً" في نظر المصريين.

 * الإصلاح الإداري: اهتم بتنظيم شؤون الأزهر الداخلية، وحرص على كفالة الطلاب الوافدين والمجاورين، وضمان وصول الأوقاف إلى مستحقيها من أهل العلم.

 * الوقار والزهد: رغم قربه من دوائر صنع القرار، ظل الشيخ متمسكاً بحياة الزهد والبساطة، مترفعاً عن عطايا الحكام، مما زاد من محبة الناس له وثقتهم في دينه.


آثاره العلمية


ترك الشيخ العروسي بصمة علمية واضحة من خلال مؤلفاته وشروحه، ومن أهمها:

 * شرح نظم التنوير في الفقه الشافعي.

 * حاشية على شرح الزركشي: في علم المنطق، وهي من الكتب التي أظهرت دقته العقلية.

 * رسائل في العقيدة والتوحيد: هدفت إلى تبسيط المسائل الإيمانية لعامة الناس.


وفاته وإرثه العائلي


توفي الإمام أحمد بن موسى العروسي في عام 1208 هـ (1793 م). ولم يكن رحيله نهاية لذكره، بل كان بداية لأسرة "العروسي" التي ارتبط اسمها بالأزهر لقرون؛ فقد خلفه في العلم والمكانة أبناؤه وأحفاده، وتولى ابنه الشيخ محمد العروسي المشيخة لاحقاً، ثم حفيده الشيخ مصطفى العروسي.

يُذكر الشيخ العروسي في سجلات التاريخ كإمام جمع بين صرامة الفقيه وقلب المصلح الاجتماعي، واستطاع أن يجعل من عمامة الأزهر ملاذاً لكل خائف ودرعاً لكل مظلوم.

تعليقات